17 : من أسباب تأخر المسلمين
وأنا أرى أن المسلمين إنما فاتتهم الحياة ، حين فاتهم الزهد بمعناه الحقيقي واتخذوا التكالب شعاراً ، وقد قال أحد زعماء الإلحاد : « إنّ المسلمين حينما كانوا للسماء أتتهم الأرض منقادة ، وحين انصرفوا إلى الأرض فاتتهم الأرض والسماء » .
إنّ المادّة ببهرجتها غزت محلّ الروح ، ولذا صارت المادّة آلة للهدم ، وحينما تأخذ الروح مجراها وتوضع المادّة في محلها لابدّ أن تكون المادّة آلة للبناء . .
ولو شبّهت الدنيا والآخرة ، بإنسان يريد الزواج من فتاة جميلة لها مهر غال ، عندئذٍ يكدّ هذا الشخص ويعمل ليل نهار ، لتحصيل ذلك المهر المعيّن والذي يراه مناسباً . .
فكما أنّ الرجل يكدح ليل نهار لكن فكره في الفتاة ، كذلك الزاهد إنه طالب للآخرة . . إنه يعمل ويشتغل لكن كل فكره في الآخرة ، يكدح لأجلها ، ويعمل ويكسب لعياله لأن :
« الكاسب حبيب الله » . .
و « الكاد على أهله كالمجاهد في سبيل الله » « 1 »
فالزاهد يعمر ويزرع ويصنع لأن الله أمر بذلك . .
ويأكل ويشرب وينكح للقوّة على الطاعة والتعفّف عن الحرام . .
ويفتح البلدان ويدعو البشرية للصراط المستقيم لتكون ( كلمة الله هي العليا ) « 2 » .
وهكذا دواليك . .
هامش
( 1 ) - غوالي اللئالي : ج 2 ص 109 .
( 2 ) - سورة التوبة : 40 . .