نهاهم حبّه لمّا سقاهم * حميّا الوصل عن حور حسان
له لم يعبدوا من خوف نار * ولا شوقا إلى ما في الجنان
ولكن كان مولى ذا جلال * له الإجلال فرضا في الجنان
لهم شغل بمولاهم بذكر * وشكر والتّهجد بالقرآن
نجاب فتية غر كرام * من العلياء في أعلى مكان
بحور العلم أوتاد لأرض * ملوك الخلق أقمار الزّمان
لما رأوا شهد المشاهدة ، ومدام المنادمة ، وحلوى « 1 » الأحوال في أفكار الأذكار ، في خلوات الخمول ، في رياض الرّياضة ، وقبلة الإقبال ، وقد حال بينهم وبين الوصول إلى ذلك قطّاع الطريق ، من كفرة جنود الأنفس الماردة ، ركبوا جياد الجدّ ، وسلّوا سيوف الصّدق ، وقصدوهم بالمجاهدة :
دواهي الدّهر لا تخشى المنايا * إذا نودوا لطعن أو ضراب
يزورون المنايا باشتياق * يرون الوصل في قطع الرّقاب
يرون الموت في الهيجاء أحلى * من الجلّاب في فيهم مذاب
منهم من انتصر على العدو ، فذاق شهد المشاهدة ، ومنهم من استشهد فذاق شهد الشّهادة في المجاهدة :
بمذهبهم قتل الغرام شهادة * وشهد ومحقون الدّماء مباح
سلام على السّادات من كلّ صادق * له مسرح في معرك ومراح
صفا ثم صوفي فهو صوفي مخيّم * على باب سعدى ليس عنه براح
يلاقي طعان النّفس في نيل وصلها * ومن دونها بيض حمت ورماح
سقته « 2 » حميّا الوصل من كرم حسنها * إذا شمّها أهل الصّبابة صاحوا
وناحوا وساحوا ثم فاحوا بنشرها * عبيرا ومكتوم المحبّة باحوا
هامش
( 1 ) جاء في هامش ( ج ) : الحلوة بفتح الحاء غير المعجمة هدية تهدى إلى المعلمين على رأس بعض سور القرآن ، سميت بها ، لأن العادة إهداء الحلاوي . وهي لغة يستعملها أهل ما وراء النهر .
( 2 ) في روض الرياحين صفحة 214 : سقتهم .