صدق اللّه العظيم :
وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ
[ يس : 68 ] ، ولد الزمان الرّجال وهو شابّ ، والآن قد انتكس وكبر وشاب .
سألت زماني لم أراك عقيما * وكنت ولودا للرّجال قديما
فقال لأني قد كبرت وقد دنا * رحيل إلى الأخرى وصرت سقيما
ولم يبق في الأولاد إلّا حثالة * وفارقني من كان قبل كريما
كان الكرام إذا جنّ الظلام ، دارت عليهم كئوس مدام الغرام ، فتراهم والعيون هواجع ، تتجافى جنوبهم عن المضاجع ، يبيتون لربّهم سجّدا وقياما على الأقدام والجباه ، وفي النّهار لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه ، إذا ذكر اللّه وجلت قلوبهم ، وسالت الدّموع على الخدود ، سيماهم في وجوههم من أثر السجود ، وقد كتبت في صفحات وجوه الوجهاء يد أيادي العناية بقلم القبول ، ومداد الأمداد سطور نور الولاية ، فلاح الفلاح على تلك الوجوه الملاح ، يقرأ ذلك الخطّ الأميّ الذي لم يقرأ قطّ ، قد رقّت قلوبهم ؛ لامتلائها بالأشجان ، فكلّ شيء يحرّكها ويذكّرها نعمى ونعمان :
يذكّرهم عيشا بنعمان ناعما * حمام الحمى « 1 » يغري نسيم العواصف
تثير الصّبا من كلّ صبّ صبابة * فيصبو إلى عهد الصّبا والمالف « 2 »
فهم بين مشتاق وباك وضاحك * سرورا وصرّاخ وراج وخائف
لذكر اللّقا والهجر والوصل والجفا * وقرب وبعد ناشر جمع لافف
لما سقوا من مدام المنادمة في كئوس التقريب والتمكين ، خافوا من استحالتها خلّا في أواني التقليب والتلوين ، وأفزعهم شهر سيف سطوة
فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ
[ الأعراف : 99 ] ، ففزعوا إلى الاتّقاء بترس لياذ « أعوذ بك منك » فخرجت مناشير التّبشير بالبشرى على يد بشير
أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ
[ يونس : 62 ] ، فخافوا أن لا يكونوا من أهل الولاية المذكورين في الآية ، فجاءت البشارة التّامّة ، في الآية العامة
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
[ الرحمن : 46 ] ، فقالوا : وعزّتك ما عبدناك طمعا في جنتك ، ولا خوفا من نارك :
هامش
( 1 ) في هامش ( أ ) : حمام الحمى : جبل بقرب عرفة .
( 2 ) في ( أ ) المالف : موضع للألفة .