برمك في حاجة لرجل ، فقال : عده عني قضاءها ، فقال : وما يدعوك - أعزك اللّه - إلى العدة مع وجود القدرة ؟ فقال له يحيى : هذا قول من لم يعرف موضع الصنائع من القلوب . إن الحاجة إذا لم يتقدمها موعد ينتظر به نجحها لم تتجاذب الأنفس بسرورها ، ولم تتلذذ بتناولها ، وإنّ الوعد تطعم والإنجاز طعام . وليس من فاجأه طعام كمن وجد رائحته وتمطق [ 1 ] له وتطعمه ثم طعمه ، فدع الحاجة تحتم بالوعد ليكون لها عند المصطنع حسن موقع ولطف محل وحلاوة ذوق .
أخبرنا أبو أحمد قال : حدثنا الصولي قال : حدثنا أحمد بن يزيد المهلبي قال :
أخبرنا البحتري عن خارجة بن مسلم بن الوليد عن أبيه قال : سألت الفضل بن سهل حاجة ، فقال : أسوفك اليوم بالوعد وأحبوك غدا بالإنجاز ، فإني سمعت يحيى بن خالد يقول : المواعيد شباك الكرم يصطادون بها محامد الإخوان ، وإن كان [ 232 ن ] المعطي لا يعد لارتفعت مفاخر إنجاز المواعيد ، وبطل فضل صدق القول .
وقال عيسى بن ماهان لجلسائه : إني أحب أن أذهب بلا وعد وأحب أن أعد لأخرج بالإنجاز من جملة المخلفين ، وأدخل في عداد [ 2 ] الوافين ، ويؤثر عني كرم المنجزين ، فإن من سبق فعله وعده وصف بكرم فرد وسقط عنه جميع ما ذكرت .
وأخبرنا أبو أحمد عن الصولي قال : أخبرني عون بن محمد قال : ذكر العتابي المأمون ، فقال : إنه ألقح معروفه عندي بالوعد ونتجه بالنجح وأرضعه بالزيادة وشيبه بالتعهد وهرمه باستتمامه من جهاته وهنأه بترك الامتنان به .
ومن عجيب ما جاء في الحث على الإنجاز ما حدثني به أبو أحمد عن الصولي عن يموت بن المزرّع قال : حدثنا عبد الصمد بن المعذل قال : شكا رجل جعفر بن يحيى إلى أبيه بأنه وعده ومطله به . فوقّع : يا بني أنتم معاقل الأحرار ومظان المطالب ومعادن الشكوى ، فكونوا سواء في الأقوال والأفعال ، فإن الحر يدخر وعد الحر ويعتقده وينفقه قبل ملكته ، فإن أخفق [ 3 ] أمله كان سببا لذمه واتهامه
هامش
[ 1 ] تمطق : تذوق .
[ 2 ] عدد في ( ز ) .
[ 3 ] الجملة حتى كله حسن ساقطة من ( ز ) .