تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ديوان المعاني — صفحة 977

مساهمون:

ص٩٧٧
اطراد نهارها وليلها وتتابع دوران بروجها ونجومها ، وتعاقب أزمنة بردها وحرها واعتدالها وحركات نيرانها ورياحها ومياهها ، إنها مسوقة محثوثة إلى أمدها كما تحث براياها بالأوقات الجارية إلى آجالها . ثم قال : وتحدث ما تخوفك به طوارق أحداثها وتوطنك على إيطان جثمانها حدثا من أحداثها لا تمسك منها بعروة إلا شهدت على أشكالها . فأية نصيحة أصدق لك من نصيحتها أو عظة أشفى وأبلغ [ 1 ] من عظتها أو شهادة أصح وأعدل من شهادتها بالفناء على نفسها ، ألم تر أجزائها مؤتلفة بالاجتماع مختلفة بالطباع يهلك بعضها بعضا ويعود إبرامها نقضا . فيا ناسيا للصخر وتهدمه وللحديد وتثلمه واثقا ببقاء لحمه ودمه [ 208 ن ] ومساعفا لشبقه وقرمه [ 2 ] ، اذكر أن جسدك وشيكا مفارقك ، وأنه وإن جددته مخلقك وأنك تطلقه في شهوائه ويوثقك وتبقي عليه من التعب ويوبقك ، ففيم تشتغل به عن مصلحتك ؟ وعلام تتكل في عقبيك ؟ إلى أن قال وتقوى على الزهد فيما يتنافسه الجهال بذكر الموت وفجأته وبغتاته ووضوح آياته وغموض ميقاته وانخذال المحالة عن دفعه ، ويأس النفوس من منعه عند غوصه عليها في الأبدان وتخليله لها من الأعظم والأعصاب والعروق واللحم والإهاب ، حتى يسوقها من الإغماض والأوصال سياق رهاق مضيق للخناق محقق للفراق مؤيس من التلاق عند إحساسه بموت جسده عضوا فعضوا ، وفقدان قوته جزءا جزءا ، وهي تمرح في الصدر حشرجة ، وفي الجوانح رجرجة ، وفي اللهوات غرغرة وفي الحلقوم خرخرة بالنزع الجاذب والعلن الكاذب والفواق الدائب والأنفاس الذواهب ، فهناك تنفس الصعداء وتوقد البرحاء ، وفي سمعه وبصره بقية يرمق بها أولاده يتامى ونساءه أيامى وأمواله نهبى وجموعه شتى ، ووجوه الشامتين به مشرقة والدموع من أحبته مستبقة
هامش
[ 1 ] ساقطة من ( ن ) . [ 2 ] شبقه : شدة الغلمة وطلب النكاح ، قرمه : القرم : شدة الشهوة إلى اللحم .