ومات له ثلاثة [ 1 ] بنين في يوم واحد فدفنهم ، وعاد إلى مجلسه فجعل يتحدث كأن لم يفقد واحدا ، فليم على ذلك فقال : ليسوا في الموت ببدع [ 2 ] . ولا أنا في المصيبة بأوحد . ولا جدوى للجزع فعلام تلومونني . فهذه الثلاثة الأقسام لا رابع لها .
وعزّى رجل رجلا وقد ولدت امرأته ابنا وماتت في نفسها ، فقال : أعظم اللّه أجرك فيما أباد وأجزل حظك فيما أفاد .
ولا أعرف أحدا أجاد هذا المعنى كما أجاده عبد الملك بن صالح الكاتب :
أخبرنا أبو أحمد عن الصولي قال : قيل للرشيد : إن عبد الملك بن صالح يعدّ كلامه ويفكر فيه فلذلك بانت بلاغته ، فأنكر ذلك الرشيد ، وقال : هو طبع فيه ، ثم أمسك حتى جاء يوما ودخل عبد الملك ، فقال للفضل بن الربيع : إذا قرب من سريري فقل له ولد لأمير المؤمنين في هذه الليلة ابن ومات له ابن ، فقال له الفضل ذلك فدنا عبد الملك فقال : يا أمير المؤمنين سرك اللّه فيما ساءك ولا ساءك فيما سرك ، وجعلها واحدة بواحدة ثواب الشاكرين وأجر الصابرين . فلما خرج قال الرشيد : أهذا الذي زعموا [ 197 ن ] أنه يتصنّع للكلام ! ! ما رأى الناس أطبع من عبد الملك في الفصاحة قط .
وعزى أعرابي رجلا فقال : لا أراك اللّه بعد مصيبتك ما ينسيكها .
أحسن ما قيل في مدفون قول ابن الرومي في بستان جارية أم علي بنت الرأس :
للّه ما ضمّنت حفيرتها * من حسن مرأى وطهر مختبر
أضحت من الساكني حفائرهم * سكنى الغوالي مداهن السّرر
لو علم القبر من أتيح له * لانخفض القبر غير محتفر « 1 »
وهذا البيت مأخوذ من قول الأوّل :
هامش
[ 1 ] ثلاث في ( ن ) .
[ 2 ] ببديع في ( م ) .
( 1 ) ديوانه 3 / 916 ، 917 .