فلما أضاء الصّبح لاح لعينها * دم بين أيدي الضّاريات صبيب
كوجدي وقد عرّى الشّباب جواده ، * وغيّر لون العارضين مشيب
ولكنّها الأيّام ، أمّا قليبها * فمكد ، وأمّا برقها فخلوب « 1 »
إذا ما بدأن الأمر أفسدن عقبه ، * وعفّى على إحسانهنّ ذنوب
فللّه درّي يوم أنعت قولة * لها في رؤوس السّامعين دبيب
وللّه درّي يوم أركب همّة * إلى كلّ أرض أغتدي وأءوب
وكم ممه جاذبت بالسّير عرضه ، * وغالبته بالعزم ، وهو غلوب
وليل رأيت الصّبح في أخرياته ، * كما انسلّ من سرّ النّجاد قضيب « 2 »
سريت به أوفي على كلّ ربوة ، * وليس سوى نجم عليّ رقيب
وأزرق ماء قد سلبت جمامه ، * يعوم الشّوى في غمره ويغيب « 3 »
وهاجرة فلّلت بالسّير حدّها ، * ولا ظلّ إلّا ذابل ونجيب « 4 »
ويوم بلا ضوء يترجم نقعه * عن الرّوع والإصباح فيه مريب
حبست به قلبا جريّا على الرّدى ، * وقد رجفت تحت الصّدور قلوب
وطعنة رمح قد خرطت نجيعها ، * كما ماج فرغ في الإناء ذنوب « 5 »
وضربة سيف قد تركت مبينة ، * وحاملها عمر الزّمان معيب
وألأم مصحوب قذفت إخاءه ، * كما قذف الماء المريض شروب
ومن كان ما فوق النّجوم طلابه * أملّ عناء قلبه ودءوب
نظرت إلى الدّنيا بعين مريضة ، * وما لي من داء الرّجاء طبيب
هامش
( 1 ) القليب : البئر - المكدي : القليل الماء - خلوب : كاذب ، مخادع .
( 2 ) يشبّه الصبح ، في شكله ونوره ، بالسيف المنسل من غمده .
( 3 ) الشّوى : اليدان والرجلان .
( 4 ) يشبّه حر الهاجرة بحدّ السيف ، وقوله : فلّلت حدّه ، يعني أنه اجتاز الصحراء في يوم حر .
( 5 ) الفرغ : مخرج الماء من الدلو - الذنوب : الدلو .