قال الضّبيّ : لم يقض عبرته ، أي : لم يشتف من البكاء ، لأنّ في ذلك راحة ، كما قال امرؤ القيس « 1 » : ( الطويل )
* وإنّ شفائي عبرة لو صببتها *
وقال غيره : أي لم ينفد « 2 » ماء شؤونه ، ولم يخرج دمعه كلّه ، لأنه إذا لم يخرجه كان أشدّ لأسفه واحتراق قلبه .
وحكي عن أبي بكر بن عيّاش ، أنه كان يشتدّ حزنه حتى يكاد يحترق قلبه ، ولا يقدر على إظهار قطرة من دموعه ، فوقف ذو الرمة بكناسة الكوفة ، ينشد وحضره أبو بكر ، وهو ينشد « 3 » : ( الطويل )
لعلّ انحدار الدّمع يعقب راحة * من الوجد أو يشفي نجيّ البلابل
فتعاطى البكاء بعد ذلك ، فكان إذا حزن واشتدّ حزنه يتعاطى البكاء فيبكي ويسيل دمعه ، فيستريح لذلك .
روى صاحب الأغاني بسنده إلى العباس بن هشام عن أبيه ، قال :
مرّ رجل من مزينة على باب رجل من الأنصار وكان يتّهم بامرأته ، فلما حاذى بابه تنفّس ثم تمثّل :
هل ما علمت وما استودعت مكتوم * أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم
قال : فعلق به الرجل ، فرفعه إلى عمر رضي اللّه عنه فاستعداه عليه ، فقال له
هامش
( 1 ) صدر بيت لامرئ القيس ؛ وعجزه :* وهل عند رسم دارس من معوّل *هو الإنشاد الثامن والستون بعد الخمسمائة في شرح أبيات المغني للبغدادي .
والبيت لامرئ القيس في ديوانه ص 9 ؛ والدرر 5 / 139 ؛ وسر صناعة الإعراب 1 / 257 ، 260 ؛ وشرح أبيات سيبويه 1 / 449 ؛ وشرح أبيات المغني 6 / 66 ؛ وشرح شواهد المغني 2 / 772 ؛ والكتاب 2 / 142 ؛ ولسان العرب ( عول ، هلل ) ؛ والمنصف 3 / 40 ؛ وهو بلا نسبة في الدرر 6 / 154 ؛ وشرح الأشموني 2 / 432 ؛ وشرح شواهد المغني 2 / 872 ؛ ومغني اللبيب 2 / 350 ؛ وهمع الهوامع 2 / 77 ، 140 .
( 2 ) في طبعة بولاق : " لم ينفذ " بالذال المعجمة .
( 3 ) البيت لذي الرمة في ديوانه ص 492 ؛ والعقد الفريد 3 / 235 .