روى صاحب الأغاني « 1 » بسنده إلى حمّاد الراوية ، قال : كانت العرب تعرض أشعارها على قريش ، فما قبلوه منها كان مقبولا ، وما ردّوه منها كان مردودا ، فقدم عليهم علقمة بن عبدة فأنشدهم قصيدته التي يقول فيها :
* هل ما علمت وما استودعت مكتوم *
فقالوا : هذه سمط الدّرّ « 2 » . ثم عاد إليهم في العام المقبل فأنشدهم :
* طحا بك قلب في الحسان طروب *
فقالوا : هاتان سمطا الدّرّ « 3 » .
وقوله : « هل ما علمت » . . . إلخ ، « هل » هنا دخلت على الجملة الاسمية ، فإنّ ما : موصولة مبتدأ ، وما : الثانية معطوف عليها ، ومكتوم : خبر المبتدأ ، والفعلان بالخطاب ، الأول بالبناء للمعلوم ، والثاني بالبناء للمجهول .
و « المكتوم » : المستور . و « أم » عند الشارح حرف استئناف بمعنى بل ، لأنها منقطعة وفيها معنى الهمزة كما يأتي ، وجملة « حبلها مصروم » : من المبتدأ والخبر استئنافية ، وإذ : تعليليّة متعلقة بمصروم بمعنى مقطوع .
والحبل استعارة للوصل والمحبّة . و « نأتك » أصله نأت عنك ، فحذف عن ، ووصل الضمير بالفعل ، ونأت بمعنى بعدت .
والمعنى : هل تكتم الحبيبة وتحتفظ ما علمت من ودّها لك « 4 » وما استودعته منها من قولها : أنا على العهد لا أحول عنك ، وشيمتي الوفاء لك .
بل انصرم حبلها منك لبعدها عنك ؛ فإنّ من غاب عن العين ، غاب عن القلب .
وهذه شيمة الغواني ، كما قال الشاعر « 5 » : ( الطويل )
هامش
( 1 ) الأغاني 21 / 201 .
( 2 ) السمط : القلادة .
( 3 ) في الأغاني : " سمطا الدهر " .
( 4 ) يقال : احتفظ الشيء بنفسه : اختصها به .
( 5 ) البيت لكثير عزة في ديوانه ص 227 ؛ وزهر الآداب 1 / 52 . وقبله :وإن هي أعطتك الليان فإنها * لآخر من خلانها ستلين