بربّكم تقرير ، والتقرير خبر موجب .
فإذا كان التقرير خبرا معناه الإيجاب ، جاز أن يأتي نعم ، كما يأتي بعد الخبر الموجب للتصديق . وإذا كان الأمر كذلك لم يكن في إجازة نعم في الآية ، وفي الشعر مخالفة لابن عباس فيما قاله ، لأنهما لم يتواردا على معنى واحد ، فإن الذي منعه ، إنما منعه على أنّ نعم جواب ، وإذا كان جوابا إنما يكون تصديقا لما بعد ألف الاستفهام ، والذي أجازه إنما أجازه على أن تكون نعم غير جواب .
وإتمام « نعم » فيه على وجه التصديق ، كما في قولك : نعم ، لمن قال : قام زيد . انتهى كلامه . واختصره المرادي في « الجنى الداني » .
فقد اتفق الشارح المحقق وأبو حيان في هذا التوجيه .
وقد جاء في الحديث مثل ذلك الشعر ، وهو قول الأنصار للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم [ وقد قال لهم « 1 » ] : ألستم ترون [ لهم ] ذلك ؟ قالوا : نعم .
وهذا التوجيه نسبه ابن هشام في « بحث نعم من المغني » إلى جماعة من المتقدّمين والمتأخرين ، منهم الشلوبين ، قال الشّلوبين : إذا كان قبل النفي استفهام ، فإن كان على حقيقته فجوابه كجواب النفي المجرد ، وإن كان مرادا به التقرير ، فالأكثر أن يجاب بما يجاب به النفي ، رعيا للفظه .
ويجوز عند أمن اللّبس أن يجاب بما يجاب به الإيجاب ، رعيا لمعناه . ألا ترى أنه لا يجوز بعده دخول أحد ، ولا الاستثناء المفرّغ ؛ لا يقال : أليس « 2 » أحد في الدار ، ولا أليس في الدار إلّا زيد .
وعلى ذلك جاء قول الأنصار ، وقول الشاعر : نعم ، بعد النفي المقرون بهمزة الاستفهام .
قال ابن هشام : وعلى هذا جرى كلام سيبويه ، والمخطّئ مخطئ .
وقال في « بحث بلى » : أجروا النفي مع التقرير مجرى النفي المجرّد في ردّه ببلى ، ولذلك قال ابن عباس وغيره : لو قالوا نعم لكفروا . ووجهه أنّ نعم تصديق للمخبر بنفي أو إيجاب .
هامش
( 1 ) زيادة يقتضيها السياق من مغني اللبيب ص 347 .
( 2 ) في طبعة بولاق : " ليس " . وهو تصحيف صوابه من النسخة الشنقيطية ومغني اللبيب .