ثياب كريم ما يصون حسانها * إذا نشرت كان الهبات صوانها
فذمّه ، وهو يرى أنّه مدحه . ألا ترى أنّه أثبت الصّون ، ونفى الهبات ، كأنه قال : الذي يقوم لها مقام الهبات أن تصان . وقد أجيب عن المتنبي .
فإذا لم يكن في شيء من أطرافه تجوّز ، ولم يقصد التشبيه ، فهو حقيقة ، بجعل بدل الشيء القائم مقامه فردا منه ادّعاء . فالتصرّف في النسبة .
ألا ترى لو قلت إن كان الضرب تحيّة ، فهو تحيّتهم ، كان حقيقة قطعا . فجعل الغرض المقدّر كالظاهر ، وهو نوع على حدة ، من خلاف مقتضى الظاهر .
وأمّا وجه بلاغته وعلى ما ذا يدلّ ، فقد حقّقه صاحب « الكشّاف » في مواضع :
منها أنّه قال في تفسير قوله تعالى « 1 » : «
يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ
» الآية : هو من باب :
* تحيّة بينهم ضرب وجيع *
وما ثوابه إلّا السيف . وبيانه أن يقال : هل لزيد مال وبنون ، فتقول : ماله وبنوه سلامة قلبه . تريد نفي المال والبنين عنه ، وإثبات سلامة القلب له بدلا عن ذلك .
وقال في موضع آخر : إنّه يدلّ على إثبات النفي « 2 » ؛ فمعنى : « ليس بها أنيس إلّا اليعافير » ، أي : إنّه لا أنيس بها قطعا . لأنّه جعل أنيسها اليعافير دون غيرها .
وهي ليست بأنيس قطعا . فدلّ على أنّه لا أنيس بها .
وهو قريب مما لو قلت : إن كانت اليعافير أنيسا فإنّها أنيس . ووجه دلالته على إثبات النفي « 3 » أنّه استعملته العرب مرادا به الحصر ، فإنّ الكلام قد يدلّ عليه ، نحو :
الجواد زيد ، والكرم في العرب ، وشرّ أهرّ ذا ناب . ولذا ذكره النّحاة في باب الاستثناء . والحصر الملاحظ فيه جار على نهج الاستثناء المنقطع ، لأنه من التنويع عند
هامش
- يهبها ، ويجوز أن يريد بقوله " كان الهبات صوانها " أن ما يصونها من لفاف ومنديل كان هبة أيضا " .
( 1 ) سورة الشعراء : 26 / 88 .
( 2 ) في طبعة بولاق : " ثبات النفي " .
( 3 ) في طبعة بولاق : " ثبات النفي " .