لصاحبه « 1 » : هل لك في وادي الحيّة ، فإنّه ذو كلإ « 2 » ؟
فقال أخوه : إنّي أخاف عليك الحيّة ، ألا ترى أنّ أحدا لم يهبط ذلك الوادي إلّا أهلكته ؟ فقال : واللّه لأفعلنّ ! فهبط ذلك الوادي فرعى فيه إبله ، فبينا هو ذات يوم في آخر الإبل نائم إذ رفعت الحيّة رأسها فأبصرته ، فأتته فقتلته « 3 » ، ثمّ دخلت جحرها ، وأبطأت الإبل على أخيه فعرف أنّه قد هلك ، فقال : ما في الحياة بعد أخي خير ، ولأطلبنّ الحيّة ، ولأقتلنّها ، أو لأتبعنّ أخي .
فهبط ذلك الوادي فطلب الحيّة ، ليقتلها ، فقالت له : ألست ترى أنّي قد قتلت أخاك ، فهل لك في الصّلح ، فأدعك ترعى الوادي فتكون فيه ، وأعطيك ما بقيت دينارا يوما ويوما لا ؟ قال : أو فاعلة أنت ؟ قالت : نعم . قال : فإنّي أقبل . فحلف لها وأعطاها المواثيق لا يضرّها ، وجعلت تعطيه ما ضمنت له ، فكثر ماله ونبتت إبله ، حتّى صار من أحسن الناس حالا .
ثم إنّه ذكر أخاه ذات يوم فدمعت عيناه ، وقال : كيف ينفعني العيش ، وأنا أنظر إلى قاتل أخي ؟ فعمد إلى فأس فأحدّها « 4 » ، ثم قعد ، فمرّت به ، فتبعها ، وضربها فأخطأها ، ودخلت جحرها ، ووقعت الفأس فوق جحرها فأثّرت فيه ، فلمّا رأت ما فعل ، قطعت عنه الدّينار الذي كانت تعطيه .
فلمّا رأى ذلك تخوّف شرّها وندم ، فقال لها : هل لك أن نتواثق ونعود إلى ما كنّا عليه ؟ فقالت « 5 » : « كيف أعاودك وهذا أثر فاسك » ، وأنت ترى قبر أخيك ، وأنت فاجر لا تبالي بالعهد .
وكان حديث الحيّة والفأس من مشهور أمثال العرب .
قال أبو عبيدة : لمّا حجّ عبد الملك بن مروان أوّل حجّة حجّها في خلافته ، قدم المدينة ، فخطب ، فقال : يا أهل المدينة ، واللّه لا تحبّوننا ولا نحبّكم أبدا ، وأنتم
هامش
( 1 ) في شرح الديوان : " أحدهما لأخيه " .
( 2 ) في شرح الديوان : " يا فلان لو أتيت هذا الوادي المكلئ فرعيت فيه إبلي فأصلحتها " .
( 3 ) في شرح الديوان : " ثم إن الحية نهشته فقتلته " .
( 4 ) في شرح ديوانه ص 155 : " إلى فأس فأخذها " .
( 5 ) هو من مشهور أمثال العرب ؛ وهو في أمثال العرب ص 178 ، 179 ؛ والدرة الفاخرة 2 / 388 ؛ ومجمع الأمثال 2 / 145 ، 326 .