تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
أذوقها . فالخوف هنا علم ويقين ، فهي المخفّفة . وكذا إن جعل تعليلا للنّهي وحده ، لأنّه الذي قارنه في هذا البيت ، على معنى فإنّني أخاف الآن أو إذا ما متّ ، بتقدير أن تدفنني في الفلاة لا إلى جنبها ، أن لا أذوقها . انتهى . قال ابن الملّا : وهاهنا بحث ، وهو أنّ الشاعر وإن كان من المغرمين بالصّهباء ، المتهتّكين بها ، لكنّه من ذوي العقول الكاملة ، والأنظار الصائبة ، فكيف يظنّ به أنّه غير قاطع ، بما يتيقّنه غيره من عدم الذّوق بعد الموت ! بل هو أمر مركوز في الأذهاب ، غنّي عن البيان . وإنّما جرى في كلامه هذا على مذهب الشعراء في تخييلاتهم ، ورام سلوك جادّة تمويهاتهم ، فإنّهم سحرة الكلام ، ومخترعو صور الإيهام « 1 » . فأمر أوّلا بدفنه بعد الموت بجانب كرمة ، وأبدى عذره في ذلك بوصفها بقوله : ( الطويل )
* تروّي عظامي بعد موتي عروقها *
ليستفاد من ذلك علّة الأمر بالدّفن المذكور ، إشارة إلى أنّ ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه ، وإذا تعذّرت التروية الحقيقيّة فلا أقلّ من حصول التروية المجازيّة . ثمّ نهى ثانيا تأكيدا للأمر الأول عن دفنه لا بجنب كرمة ، وعلّل ذلك بأنه [ يتيقن أنه ] لا يذوقها إذا مات فلا يتروّى بها حقيقة . فدفنه [ لا ] إلى جانبها مفوّت للتروية المجازيّة . ولمزيد شغفه بها آثر التعبير عن هذا اليقين بالخوف إيهاما « 2 » ؛ لأنّه مع ذلك لا يقطع بعدم الذّوق . وجعل رفع الفعل بعد أن معه دليلا على ما قصده معنى . وإنّما قلنا : إنّ تروية العظام مجازيّة لأنّ الرّوى « 3 » حقيقة لذوات الأكباد عن عطش ، وليست العظام منها .
هامش
( 1 ) في شرح أبيات المغني للبغدادي 1 / 141 : " صور الإبهام " بالباء الموحدة . والزيادات من شرح أبيات المغني للبغدادي . ( 2 ) في شرح أبيات المغني 1 / 141 : " إبهاما " . ( 3 ) كذا في طبعتي بولاق وهارون والنسخة الشنقيطية . وفي شرح أبيات المغني : " الري " . وكلاهما صحيح . وفي النسخة الشنقيطية مع أثر تصحيح : " التروي " ولا نراه صوابا . وفي اللسان ( روي ) : " روي من الماء - بالكسر - ومن اللبن يروى ريّا ، وروى أيضا مثل رضا " .
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب — صفحة 404 | البغدادي / محمد نبيل طريفي