فاندفعت تنشد القصيدة حتّى أتت على آخرها لم تخرم منها حرفا ، فلما أتمّتها قال : انصرفي .
ثم قال : هل قلت شيئا غير ذلك ؟ قلت : نعم ، كان بيني وبين ابن عمّ لي ، يقال له : يزيد بن مسهر ، ويكنى « 1 » أبا ثابت ، ما يكون بين بني العمّ ، فهجاني ، وهجوته فأفحمته . قال : ما ذا قلت فيه ؟ قال : قلت :
* ودّع هريرة إنّ الرّكب مرتحل *
فلما أنشدته البيت الأول ، قال : حسبك ، من هريرة هذه التي نسبت فيها ؟
قلت : لا أعرفها ، وسبيلها سبيل التي قبلها . فنادى : يا هريرة . فإذا جارية قريبة السّنّ من الأولى خرجت ، فقال : أنشدي عمّك قصيدتي التي هجوت بها أبا ثابت يزيد بن مسهر .
فأنشدتها من أولها إلى آخرها لم تخرم منها حرفا . فسقط في يدي وتحيّرت ، وتغشّتني رعدة .
فلمّا رأى ما نزل بي قال : ليفرخ روعك يا أبا بصير « 2 » أنا هاجسك مسحل بن أثاثة الذي ألقى على لسانك الشعر . فسكنت نفسي ورجعت إليّ ، وسكن المطر ، فدلّني على الطريق ، وأراني سمت مقصدي ، وقال : لا تعج يمينا ولا شمالا حتّى تقع ببلاد قيس .
وروى صاحب الأغاني « 3 » أيضا أنّ الأعشى قال هذه القصيدة ليزيد بن مسهر أبي ثابت الشيباني .
قال أبو عبيدة : وكان من حديث هذه القصيدة أنّ رجلا من بني كهف « 4 » بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة ، يقال له ضبيع ، قتل رجلا من بني همّام ،
هامش
( 1 ) في طبعة بولاق : " يكنى " بدون واو .
( 2 ) في حاشية الأصل لطبعة بولاق والنسخة الشنقيطية : " هاجس الأعشى مسحل بن أثاثة وابنتاه سمية وهريرة هما اللتان شبب بهما " .
( 3 ) الأغاني 9 / 154 - 155 .
( 4 ) في الأغاني : " بني كعب بن سعد . . . " .