فقالت له : قد عرفت حال صبيتي ، وأنّ معيشتهم منها ، وأخاف الموت عليهم إن فقدوها . فقال : موتهم أحبّ إليّ من اللؤم .
ثم قبض على الشاة فأخذ الشفرة وأنشد : ( الرجز )
قريبتي لا توقظي بنيّة * إن يوقظوا ينسحبوا عليّه
وينزعوا الشّفرة من يديه * أبغض هذا أن يرى لديّه
ثم ذبحها ، وكشط جلدها ، وقطّعها أرباعا ، وقذفها في القدر ، حتّى إذا استوت اثّرد في جفنة ، فعشّاهم ، ثم غدّاهم ، فأراد عبيد اللّه الرحيل ، فقال لغلامه :
ارم للشيخ ما معك من نفقة .
فقال : ذبح لك الشاة فكافأته « 1 » بمثل عشرة أمثالها ، وهو لا يعرفك ؟ فقال :
ويحك ، إنّ هذا لم يكن يملك من الدنيا غير هذه الشاة ، فجاد لنا بها ، وإن كان لا يعرفنا ، فأنا أعرف نفسي ، ارم بها إليه . فرماها إليه فكانت خمسمائة دينار .
فارتحل عبيد اللّه ، فأتى معاوية فقضى حاجته ، ثم أقبل راجعا إلى المدينة ، حتى إذا قرب من ذلك الشيخ ، قال لغلامه : مل بنا إليه ننظره في أيّ حالة هو ؟ فانتهيا إليه فإذا برجل سريّ عنده دخان عال ، ورماد كثير ، وإبل وغنم ففرح بذلك ، وقال له الشيخ : انزل بالرّحب والسّعة . وقال : أتعرفني ؟ فقال : لا واللّه فمن أنت ؟
فقال : أنا نزيلك ليلة كذا وكذا .
فقام إليه فقبّل رأسه ويديه ورجليه ، وقال : قد قلت أبياتا أتسمعها منّي ؟ فقال :
هات . فأنشد هذه الأبيات ، فضحك عبيد اللّه ، وقال : أعطيتنا أكثر ممّا أخذت منّا ، يا غلام أعطه مثلها !
فبلغت فعلته معاوية ، فقال : للّه درّ عبيد اللّه ، من أيّ بيضة خرج ، وفي أيّ عشّ درج ، وهي لعمري من فعلاته !
وقوله : « توسّمته » بمعنى تفرسته ، من التوسّم ، يقال : توسّمت فيه الخير ، أي : طلبت سمته .
هامش
( 1 ) في طبعة بولاق : " فكافئه " . وهو تصحيف . وفي النسخة الشنقيطية : " فكافنه " . وهو تصحيف أيضا .
والتصويب نقلا عن طبعة هارون 8 / 283 .