تعد ، فإنّي قد ارتبت بك . فنمت وأمهلته ، حتّى لم أشكّ في نومه ، فقذفت له بحصاة نحو رأسه فإذا هو قد وثب ، وتناومت فأقبل نحوي ، حتّى ركضني برجله ، وقال : أنائم أنت ؟ قلت : نعم . قال : أسمعت ما سمعت ؟ قلت : لا .
فطاف في الإبل وطفت معه فلم نر شيئا ، فأقبل عليّ تتوقّد عيناه ، قال : قد أرى ما تصنع منذ الليلة ، واللّه لئن أنبهني شيء لأقتلنّك ! قال : فلبئت واللّه أكلؤه مخافة أن ينبّهه شيء فيقتلني . فلما أصبح قلت : ألا تنحر جزورا ؟ قال : بلى . قال :
فنحرنا ناقة ، فأكل . ثم احتلب أخرى ، فشرب ، ثم خرج يريد المذهب « 1 » وكان إذا أراد ذلك أبعد وأبطأ عليّ ، فاتّبعته فإذا أنا به مضطجعا على مذهبه ، وإذا يده داخلة في جحر أفعى فانتزعها ، فإذا هو قابض على رأس أفعى ، وقد قتلها وقتلته . فذلك قولي :
ولقد غدوت على الظّلام بمغشم * جلد من الفتيان غير مثقّل
انتهى ما أورده ابن قتيبة « 2 » .
والمشهور : « ولقد سريت على الظلام » ، أي : في الظلام . و « المغشم » ، بالكسر : الغشوم ، من الغشم ، وهو الظلم . و « الجلد » بالفتح ، وهو من له الجلادة ، وهي قوّة القلب .
وقوله : « غير مثقّل » قال التبريزي : أي كان حسن القبول محبّبا إلى القلوب .
وقوله : « ممّن حملن به » النون ضمير النساء ولم يجر لهنّ ذكر ، ولمّا كان المراد مفهوما جاز إضمارها . وقال : « به » فردّ الضمير على لفظ من ، ولو ردّ على المعنى ، لقال بهم « 3 » .
وروى السكري وغيره : « ممّا حملن به » قال التبريزي ، تبعا لشارح الهذليّين :
أي هو من الحمل الذي حملن به .
قال ابن الشجري في « أماليه » « 4 » : عدّى حمل في البيت بالباء وحقّه أن يصل إلى
هامش
( 1 ) في اللسان ( ذهب ) : " الكسائي : يقال لموضع الغائط : الخلاء ، والمذهب ، والمرفق ، والمرحاض " .
( 2 ) الشعر والشعراء 2 / 565 بخلاف يسير في الرواية .
( 3 ) بعده في شرح أبيات المغني : " وعدى حمل الباء ، وهو متعد بنفسه ، لأنه ضمنه معنى حبلت " .
( 4 ) أمالي ابن الشجري 1 / 148 وذكر البيت الثاني الذي يلي الشاهد المذكور آنفا .