ولقد حملته فما رأيت عليه دما ، حتّى وضعته . ولقد وقع عليّ أبوه في ليلة هرب ، وإنّي لمتوسّدة سرجا ، وإنّ نطاقي لمشدود ، وإنّ على أبيه لدرعا ، فاقتله فأنت واللّه أحبّ إليّ منه .
قال : سأغزو به [ فأقتله ] . فمرّ ، فقال [ له ] : هل لك في الغزو ؟ قال : إذا شئت « 1 » . فخرج به غازيا ، فلم يجد منه غرّة ، حتّى مرّ في بعض الليالي بنارلابني قترة الفزاريّين ، وكانا في نجعة ، فلمّا رأى تأبّط « 2 » النار عرفها وعرف أهلها ، فأكبّ على رجله ينادي : نهشت نهشت ! أبغني نارا ! فخرج الغلام يهوي نحو النار ، فصادف عندها الرّجلين « 3 » ، فواثباه ، فقتلهما ، وأخذ جذوة من النار ، واطّرد إبل القوم ، وأقبل نحو تأبّط ، فلما رأى تأبّط النار تهوي نحوه ، ظنّ أنّ الغلام قتل ، وأنّه دلّ عليه ، فمرّ يسعى .
قال : فما كان إلّا أن أدركني ومعه [ جذوة من ] النار يطّرد إبل القوم ، فلمّا وصل إليّ قال : ويلك لقد أتعبتني ! ثم رمى بالرأسين ، فقلت : ما هذا ؟ قال :
كلبان هارّاني على النار فقتلتهما !
[ قال : قلت : إني والله ظننت أنك قد قتلت ، قال : بل قتلت الرجلين ، عاديت بينهما ] فقلت : الهرب الآن ، فإنّ الطلب من ورائنا . فأخذت به على غير الطريق ، فما سرنا إلّا قليلا حتّى قال : أخطأت واللّه الطريق ، وما تستقيم الريح فيه ، فما لبث أن استقبل الطريق ، وما كان واللّه سلكها قطّ .
قال : فسرت به ثلاثا حتّى نظرت إلى عينيه كأنهما خيطان ممدودان ، وأدرك الليل ، فقلت : أنخ فقد أمنّا « 4 » . فأنخنا ، فنام في طرف منها ، ونمت في الطّرف الآخر ، فما زلت أرمقه حتّى ظننت أنه قد نام ، فقمت أريده ، فإذا هو قد استوى ، وقال : ما شأنك ؟ فقلت : سمعت حسّا في الإبل .
فطاف معي بها ، فلم ير شيئا ، فقال : أتخاف شيئا ؟ قلت : لا . قال : فنم ولا
هامش
( 1 ) في الشعر والشعراء : " فقال : نعم " .
( 2 ) كذا في طبعة بولاق والشعر والشعراء . وفي النسخة الشنقيطية : " تأبط شرا " .
وفي الشعر والشعراء : " عرف أهلها ، فأكب . . . " .
( 3 ) في النسخة الشنقيطية : " عندها رجلين " . وصوابه من طبعة بولاق والنسخة الشنقيطية .
( 4 ) في الشعر والشعراء : " فقلت له : انزل ، فقد أمنت . . . " .