على أنّ « غدا » يحتمل أن يكون منصوبا بأحد عوامل ثلاثة ، وهي رحلة ، وبين ، والظاعنين ، فلا يتمّ ما ادّعاه المبرد من جواز عمل اسم الفاعل الماضي « 1 » . مع أن الكلام في اسم الفاعل الذي ينصب مفعولا به لا ظرفا .
وأورد أبو علي في « إيضاح الشعر » هذا البيت ، وقال : فيه حذف ، والتقدير من خوف الارتحال وخوف الفراق . ونسب البيت لجرير .
وقوله : « فبتّ والهمّ » إلخ . « بات » هنا تامّة ، قال ابن الأثير في « النهاية » :
كل من أدركه الليل ، فقد بات يبيت ، نام أو لم ينم . والواو هي واو الحال ، و « الهمّ » : مبتدأ ، وجملة « تغشاني طوارقه » : خبره ، والجملة في محل نصب حال « 2 » من التاء في بتّ .
قال ابن الأثير : غشيه يغشاه غشيانا ، إذا جاءه . وغشّاه تغشية ، إذا غطّاه .
وغشي الشيء ، إذا لابسه . والطوارق هنا : الدّواهي .
قال ابن الأثير : كلّ آت بالليل طارق . وقيل أصل الطروق من الطّرق ، وهو الدقّ . وسمّي الآتي بالليل طارقا لحاجته إلى دقّ الباب . وجمع الطارقة طوارق . ومنه الحديث : « أعوذ باللّه من طوارق الليل إلّا طارقا يطرق بخير » . و « من » : متعلقة بقوله : تغشاني ، ورحلة مضاف إلى بين ، وكذلك بين مضاف إلى ما بعده ، فهما مجروران بالكسرة .
و « الرّحلة » بالكسر : اسم مصدر بمعنى الارتحال . و « البين » هنا مصدر بان يبين بينا ، أي : فارق وبعد . والظاعنين من ظعن يظعن بفتح عينهما ظعنا ، بفتح العين وسكونها ، أي : سار وذهب .
وترجمة جرير تقدمت في الشاهد الرابع من أوائل الكتاب « 3 » .
* * *
هامش
( 1 ) في شرح الرضي 2 / 187 : " وجوّز المبرد وغيره عمله بمعنى الماضي والحال والاستقبال ، واستدلوا بقوله :
فبت والهم تغشاني طوارقه " .
وفي حاشية طبعة هارون 8 / 139 : " والذي قيد عمل اسم الفاعل المحلى بأل بأن يكون ماضيا هو أبو علي في كتاب الشعر ، وكذا الرماني " .
( 2 ) في النسخة الشنقيطية : " في محل حال " .
( 3 ) الخزانة الجزء الأول ص 90 .