وكانت لقريش أصنام في جوف الكعبة وحولها ، وكان أعظمها عندهم « هبل » « 1 » ، وكان فيما بلغني من عقيق أحمر على صورة الإنسان ، مكسور اليد اليمنى ، أدركته قريش كذلك ، فجعلوا له يدا من الذّهب .
وكان أوّل من نصبه خزيمة بن مدركة ، وكان يقال له : هبل خزيمة ، وكان قدّامه سبعة أقدح « 2 » مكتوب في أوّلها : صريح ، والآخر : ملصق . فإذا شكّوا في مولود أهدوا له هديّة ، ثمّ ضربوا بالقداح ، فإن خرج : صريح ألحقوه ، وإن كان ملصقا دفعوه . وقدحا على الميت ، وقدحا على النّكاح ، وثلاثة لم تفسّر لي . فإذا اختصموا في أمر ، أو أرادوا سفرا ، أو عملا ، أتوه فاستقسموا بالقداح عنده ، فما خرج ، عملوا به وانتهوا إليه .
وكان لهم « إساف ونائلة » « 3 » ، لمّا مسخا حجرين ، وضعا عند الكعبة ليتّعظ الناس بهما ، فلما طال مكثهما وعبدت الأصنام ، عبدا معها ، وكان أحدهما بلصق الكعبة ، والآخر في موضع زمزم ، فنقلت قريش الذي كان بلصق الكعبة إلى الآخر .
وكانوا ينحرون ويذبحون عندهما .
فلما ظهر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم فتح مكّة ، ودخل المسجد ، والأصنام منصوبة حول الكعبة ، فجعل يطعن بسية قوسه في عيونها ووجوهها ، ويقول « 4 » :
« جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً »
، ثم أمر فكفئت على وجوهها ، ثم أخرجت من المسجد فحرّقت ، فقال في ذلك راشد بن عبد اللّه السّلميّ « 5 » : ( الكامل )
قالت هلمّ إلى الحديث فقلت لا * يأبى الإله عليك والإسلام
أو ما رأيت محمّدا وقبيله * بالفتح حين تكسّر الأصنام
لرأيت نور اللّه أضحى ساطعا * والشّرك يغشى وجهه الإظلام
هامش
( 1 ) كذا في النسخة الشنقيطية وكتاب الأصنام . وفي طبعة بولاق : " وكان أعظمها هبل عندهم " .
( 2 ) الأقدح : جمع القدح - بالكسر - ؛ وقدح الميسر يجمع على أقدح وقداح وأقداح ، وجمع الجمع أقاديح .
( 3 ) النقل من كتاب الأصنام ص 29 .
( 4 ) سورة الإسراء : 17 / 81 .
( 5 ) الأبيات لراشد بن عبد الله السلمي وخبرها في كتاب الأصنام ص 31 ؛ ومعجم البلدان ( هبل ) ؛ وهي لفضالة ابن عمير بن الملوح مع خبر آخر - حول مقتل النبي - في السيرة النبوية 2 / 417 .