وزعم ثعلب في « فصيحه » أن كسر النون هو قول الفراء . ونقل شارحه اللّبليّ عن ابن درستويه أن الفراء إنما ذهب إلى الكسر لأنّ المعنى لّما كان للاثنين ظنّ أن شتّان مثنّى فكسره ، والعرب كلها تفتحه ، والكسر لا يجيزه عربيّ . انتهى .
أقول : الفراء لم يذهب إلى أنّ النون مكسورة لا غير ، وشتان مثنّى شتّ ، وإنّما حكى أن كسر النون لغة في فتحها « 1 » . قال في « تفسيره » عند قوله تعالى « 2 » :
« ما هذا بَشَراً »
:
أنشدني بعضهم « 3 » : ( الطويل )
لشتّان ما أنوي وينوي بنو أبي * جميعا فما هذان مستويان
تمنّوا لي الموت الذي يشعب الفتى * وكلّ فتى والموت يلتقيان « 4 »
قال الفراء : يقال شتان ما أنوى بنصب النون وخفضها ، هذا كلامه « 5 » .
وكذا نقل الصاغاني في « العباب » عنه ، أنّ كسر النون لغة في فتحها ، وليس فيه ما زعمه ابن درستويه . وبه يسقط ترديد أبي سهل الهروي « 6 » في « شرح الفصيح » حيث قال : وأمّا على قول الفرّاء ، فإنّه يجوز أن يكون كسر النون على أصل التقاء الساكنين ، ويجوز أن يكون أراد تثنية شتّ ، وهو المتفرّق . انتهى .
وزعم ابن الأنباري في « الزاهر » أنه لا يجوز كسر النون في شتان ما بين أخيك وأبيك ، قال : لأنها رفعت اسما واحدا . ويجوز كسرها في غيره ، وهو شتّان أخوك وأبوك ، وشتّان ما أخوك وأبوك . قال : يجوز في هذا كسر النون على أنّه تثنية شتّ .
هذا كلامه ، وفيه ما لا يخفى .
هامش
( 1 ) في طبعة بولاق : " فتحتها " . وهو تصحيف ، ولقد أثبتنا رواية النسخة الشنقيطية .
( 2 ) سورة يوسف : 12 / 31 ؛ ومعاني 2 لفراء 2 / 42 .
( 3 ) البيتان للفرزدق في المقاصد النحوية 1 / 543 . ولم أجدهما في طبعة ديوانه .
( 4 ) البيت للفرزدق في شرح التصريح 1 / 180 . وهو بلا نسبة في أوضح المسالك 1 / 224 ؛ وتخليص الشواهد ص 211 ؛ وشرح الأشموني 1 / 145 .
( 5 ) في حاشية طبعة هارون 6 / 283 : " تعليق الفراء هذا لم يرد في معاني القرآن ، وإن كان الفراء قد أنشد البيتين شاهدا على رفع أهل نجد للخبر بعد - ما - فقط " .
( 6 ) في طبعة بولاق : " أبي سهيل " . وهو تحريف . وهو أبو سهل محمد بن علي بن محمد ، نزيل مصر . كان نحويا ، وكانت له رياسة المؤذنين بجامع مصر ، ولد سنة 372 ه ، وتوفي سنة 433 ه . انظر ذلك بغية الوعاة .