قال الشاعر :
ولكن ديافيّ أبوه وأمّه * بحوران يعصرن السّليط أقاربه
انتهى .
ف « أقاربه » فاعل « يعصر » ، والنون علامة لكون الفاعل جمعا كتاء التأنيث .
قال ابن هشام في « شرح شواهده » : إنّما قال « يعصرن » لأنه شبّههم بالنّساء ، لأنهم لا شجاعة لهم ، والخدمة والتبذل في العرب إنّما هو للنّساء ، وإمّا الرجال فشغلهم بالحروب . وقيل شبّهه ببعير ديافيّ ، ثم أقبل يصف أقارب البعير وأقاربه جمال . فلذلك جاء بالنون . انتهى .
أقول : الوجه الثاني بعيد لا قرينة له ، ويزيده بعدا يعصرن السليط .
قال ابن خلف : وفي رفع أقاربه أوجه أخر : أحدها : يجوز أن يكون مبتدأ ، ويعصرن خبر مقدّم عليه ؛ وهذا سائغ عند أهل البصرة كما قالوا : مررت به المسكين يريدون : المسكين مررت به .
قال أبو عليّ : وفيه مع هذا قبح ، لأنّ الخبر جملة وليس بمفرد ، فلا ينبغي أن يجوز فيه ، ما جاز في الأصل الذي هو المفرد . وأهل الكوفة لا يجيزون مثل هذا .
ويحتمل أن يكون رفعا بحوران ويكون بحوران صفة لديافيّ ، ويعصرن حالا من الأقارب .
ويجوز أن يكون بدلا من النون كما قيل في « 1 » :
« وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا »
. ويجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر ، والجملة جواب لسؤال مقدّر ، كأنه لما قيل بحوران يعصرن السّليط فقيل : من هم ؟ فقال : هم أقاربه .
أقول : هذه الوجوه الأربعة مبنيّة على أنّ النون ضمير ، وهذه النون في البيت سواء كانت حرفا ، أم اسما تدلّ على صحة ما نقله الشارح المحقق في باب التوكيد عن الأندلسيّ ، من جواز رجوع ضمير جماعة المؤنث إلى الجمع المكسّر العاقل ، فكان ينبغي أن يستدلّ بهذا البيت دون البيت المتقدّم لخفائه كما تقدّم .
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء : 21 / 3 .