الصحيفة في نهر الحيرة ، ثمّ خرج هاربا .
وقد كان المتلمّس فيما يقال قال لطرفة حين قرأ كتابه : تعلّم ، أنّ في صحيفتك لمثل الذي في صحيفتي ! فقال طرفة : إن كان اجترأ عليك فما كان ليجترئ عليّ ، ولا ليغرّني ، ولا ليقدم عليّ ! فلما غلبه سار المتلمّس إلى الشام ، وسار طرفة حتّى قدم على عامل البحرين وهو بهجر . فدفع إليه كتاب عمرو بن هند ، فقرأه فقال :
هل تعلم ما أمرت به فيك ؟ قال : نعم ، أمرت أن تجيزني وتحسن إليّ . فقال لطرفة :
إن بيني وبينك لخؤولة أنا لها راع ، فاهرب من ليلتك هذه ، فإني قد أمرت بقتلك ؛ فأخرج قبل أن تصبح ويعلم بك الناس ! فقال له طرفة : اشتدّت عليك جائزتي وأحببت أن أهرب وأجعل لعمرو بن هند علي سبيلا ، كأنّي أذنبت ذنبا ؟ ! والله لا أفعل ذلك أبدا ! فلما أصبح أمر بحبسه .
وجاءت بكر بن وائل فقالت : قدّم طرفة ! فدعا به صاحب البحرين ، فقرأ عليهم كتاب الملك ، ثم أمر بطرفة وحبس ، وتكرّم عن قتله ، وكتب إلى عمرو بن هند : أن ابعث إلى عملك « 1 » ، فإنّي غير قاتل الرجل . فبعث إليه رجلا من بني تغلب ، يقال له : عبد هند بن جرذ « 2 » ، واستعمله على البحرين وكان رجلا شجاعا ؛ وأمره بقتل طرفة وقتل ربيعة بن الحارث العبديّ فقدمها عبد هند ، فقرأ عهده على أهل البحرين ، ولبث أيّاما . واجتمعت بكر بن وائل فهمّت به ، وكان طرفة يحضّضهم .
وانتدب له رجل من عبد القيس ثم من الحواثر يقال له : « أبو ريشة » فقتله . فقبره اليوم معروف بهجر .
وزعموا أنّ الحواثر ودته إلى أبيه وقومه « 3 » .
وقالت أخت طرفة تهجو عبد عمرو ، لما كان من إنشاده الشعر للملك :
( الوافر )
ألا ثكلتك أمّك عبد عمرو * أبالخربات آخيت الملوكا
هامش
( 1 ) كناية عن استقالته وعدم رغبته في قتل طرفة . وانظر في ذلك شرح القصائد العشر لابن الأنباري ص 127 .
( 2 ) في طبعة بولاق : " عبد بن هند " . وهو تصحيف . وفي نوادر المخطوطات 2 / 214 ؛ وشرح القصائد السبع الطوال ص 127 : " عبد هند بن جرد " .
( 3 ) البيتان للخرنق أخت طرفة ، وهما في ديوانها 60 ؛ وتاج العروس ( ركك ) ؛ وتهذيب اللغة 9 / 445 ؛ ولسان العرب ( ركك ) .