وبقيا عنده مدّة « قال المفضّل بن سلمة » : وكان لطرفة ابن عمّ عند عمرو بن هند واسمه عبد عمرو بن بشر بن عمرو بن مرثد بن سعد بن مالك بن ضبيعة - وكان طرفة عدوّا لابن عمّه عبد عمرو - وكان سمينا بادنا ، فدخل على عمرو بن هند الحمّام ، فلما تجرّد قال عمرو بن هند : لقد كان بن عمّك طرفة رآك حين ما قال - وكان طرفة هجا عبد عمرو ، فقال فيه من جملة أبيات « 1 » : ( الطويل )
ولا خير فيه ، غير أنّ له غنى * وأنّ له كشحا ، إذا قام ، أهضما
فلما أنشد الأبيات لعبد عمرو قال له عبد عمرو : ما قال لك شرّ مما قال لي ؛ ثم أنشده :
فليت لنا مكان الملك عمرو . . ( الأبيات المتقدمة )
فصدّقه عمرو بن هند وقال له : ما أصدّقك عليه - مخافة أن تدركه الرحم وينذره - فمكث غير كثير ، ثم دعا المتلمّس وطرفة ، وقال : لعلكما قد اشتقتما إلى أهلكما ، وسرّكما أن تنصرفا ! قالا : نعم ! فكتب لهما إلى عامله على هجر أن يقتلهما . وأخبرهما أنه قد كتب لهما بحباء ، وأعطى كلّ واحد منهما شيئا فخرجا - وكان المتلمس قد أسنّ - فمرّا بنهر الحيرة على غلمان يلعبون ؛ فقال المتلمس : هل لك أن ننظر في كتابينا ، فإن كان فيهما خير مضينا له ، وإن كان شرا ألقيناهما ؟
فأبى عليه طرفة . فأعطى المتلمس كتابه بعض الغلمان ؛ فقرأه عليه ، فإذا فيه السوء .
فألقى كتابه في الماء ، وقال لطرفة : أطعني وألق كتابك ! فأبى طرفة ومضى بكتابه إلى العامل ، فقتله . ومضى المتلمّس حتى لحق بملوك بني جفنة بالشام ا . ه .
وروى يعقوب بن السكّيت « في شرح ديوانه » القصّة بأبسط من هذا ، قال :
إنّ طرفة لمّا هجا عمرو بن هند بالأبيات المتقدّمة ، لم يسمعها عمرو بن هند . حتى خرج يوما إلى الصيد فأمعن في الطلب ، فانقطع في نفر من أصحابه ؛ حتى أصاب طريدته فنزل ، وقال لأصحابه : اجمعوا حطبا - وفيهم ابن عمّ طرفة - فقال لهم :
أوقدوا . فأوقدوا نارا وشوى . فبينما عمرو يأكل من شوائه وعبد عمرو يقدم إليه ،
هامش
( 1 ) البيت لطرفة بن العبد في ديوانه ص 82 ؛ وتاج العروس ( هضم ) ؛ وديوان الأدب 2 / 269 ؛ والشعر والشعراء ص 117 ؛ وشرح أبيات المغني 2 / 265 ؛ ولسان العرب ( هضم ) .
قال الأعلم : وقوله : وأن له كشحا ، يقول : هو مبرأ من خصال الرجال المحمودة ، ولكنه غني وذو كشح أهضم يتبين هضمه عند القيام ، والكشح : الخصر . والأهضم : الضامر .