فراسخ على طرف البرّيّة ، بناها هشام لما وقع الطّاعون بالشام ، وكان يسكنها في الصيف ، وكانت قبل من بناء الملوك الغسّانيين » ثم قال لصاحب شرطته : إياك وأن أرى هذا ! فكلّم وجوه الناس صاحب الشّرطة أن يقرّه . ففعل . فكان يصيب من فضول أطعمة الناس ويأوي بالليل إلى المساجد . .
قال أبو النجم : ولم يكن في الرّصافة أحد يضيف إلّا سليم بن كيسان الكلبيّ ، وعمرو بن بسطام الثّعلبيّ « 1 » فكنت أتغدّى عند سليم ، وأتعشّى عند عمرو ، وآتي المسجد فأبيت فيه . فاغتمّ هشام ليلة ، وأراد محدّثا يحدّثه ، فقال لخادم له : أبغني محدّثا أعرابيّا أهوج شاعرا يروي الشعر . فخرج الحاجب « 2 » إلى المسجد فإذا هو بأبي النجم ، فضربه برجله وقال له : قم أجب أمير المؤمنين . فقال : أنا أعرابيّ غريب .
قال : إيّاك أبغي فهل تروي الشعر « 3 » ؟ قال : نعم ، وأقوله « 4 » .
فأقبل به حتّى أدخله القصر وأغلق الباب - فأيقن بالشّرّ - ثم مضى فأدخله على هشام في بيت صغير ، بينه وبين أهله ستر رقيق ، والشّمع بين يديه [ يزهر « 5 » ] . قال :
فلما دخلت قال لي : أبو النجم ؟ قلت : نعم ، يا أمير المؤمنين ، طريدك . قال :
اجلس . فسألني وقال : أين كنت تأوي ؟ فأخبرته الخبر . قال : ومالك من الولد والمال ؟ قلت : أمّا المال فلا مال لي ، وأما الولد فلي ثلاث بنات وبنيّ يقال له :
شيّان « 6 » « بفتح الشين وتشديد الياء المثناة التحتيّة » قال : هل أخرجت من بناتك ؟
قلت : نعم ، زوّجت اثنتين وبقيت واحدة تجمز في أبياتنا ، كأنّها نعامة ! قال : وما وصّيت به الأولى ؟ - وكانت تسمى برّة - قال « 7 » : ( الرجز )
هامش
- وقرطبة والكوفة ونيسابور وواسط . والمعلوم أن رصافة الشام هذه أقدمهن . وفي معجم ما استعجم للبكري ص 654 : " الرصافة - بضم أوله - رصافة هشام بن عبد الملك بالشام " .
( 1 ) في الأغاني 10 / 155 : " التغلبي " .
( 2 ) في الأغاني : " الخادم إلى المسجد " .
( 3 ) في طبعة بولاق والنسخة الشنقيطية : " . . إياك أبغي ، قال تروي الشعر . . " . وما أثبتناه من الأغاني أولى وأصح .
( 4 ) في طبعة بولاق : " وأقول " . وهو تحريف صوابه من الأغاني .
( 5 ) زيادة يقتضيها السياق من الأغاني . وزهر السراج : تلألأ .
( 6 ) كذا في جميع أصول طبعات الخزانة . وفي الأغاني : " شيبان " .
( 7 ) الخبر والأبيات في الأغاني 10 / 156 .