فأحسن في قوله وأجمل ، وأتى بحقّ لا يدفع ، وبيّن عن الفرق بين ليله ونهاره .
وإنّما أجمع الشعراء على ذلك . من تضاعف بلائهم بالليل وشدّة كلفهم ، لقلّة المساعد وفقد الحبيب « 1 » ، وتقييد اللحظ عن أقصى مرامي النظر « 2 » ، الذي لا بدّ أن يؤدّي إلى القلب بتأمّله شيئا يخفّف عنه « 3 » ، أو يغلب عليه فينسى ما سواه .
وأبيات امرئ القيس في وصف الليل ، اشتمل الإحسان عليها ، ولاح الحذق فيها ، وبان الطبع بها ؛ فما فيها معاب إلّا من جهة واحدة عند [ أمراء الكلام ] والحذّاق بنقد الشعر [ وتمييزه ] ، وهو قوله : « فقلت له لمّا تمطّى . . البيت » لم يشرح « فقلت له » إلا في بيت بعده . وهذا عيب ؛ لأن خير الشعر ما لم يحتج بيت منه إلى بيت آخر . وقد تبع الناس امرأ القيس وصدّقوا قوله ، وجعلوا نهارهم كليلهم ، فقال البحتريّ في غضب الفتح عليه « 4 » : ( الطويل )
وألبستني سخط امرئ بتّ موهنا * أرى سخطه ليلا مع اللّيل مظلما
وكأنّه من قول أبي عيينة في التذكر لوطنه « 5 » : ( الخفيف )
طال من ذكره بجرجان ليلي ، * ونهاري عليّ كاللّيل داجي
وترجمة النابغة الذبيانيّ قد تقدمت في الشاهد الرابع بعد المائة .
هامش
( 1 ) في الموشح ص 35 : " فقد المجيب " .
( 2 ) في طبعة بولاق والنسخة الشنقيطية : " مرام النظر " . وهو تحريف صوابه من الموشح .
( 3 ) في طبعة بولاق والنسخة الشنقيطية : " يخف عنه " . وهو تحريف صوابه من الموشح .
( 4 ) ديوان البحتري ص 59 ؛ والموشح ص 37 .
( 5 ) الموشح ص 37 .
وإلى هنا ينتهي النقل من الموشح .