وإنّ التّصرّف في كلّ مذهب ، لممّا يفضل به الشعراء ؛ وقد فضّل البحتريّ « 1 » أبا نواس على الصّريع ؛ فإنّه يتصرف في كلّ فنّ ، ويجول في كل مذهب ؛ إن شاء جدّ ، وإن شاء هزل .
ومسلم يلزم طريقا واحدا لا يتعدّاه ، وبذلك فضّل جرير على الفرزدق . وقال أبو العتاهية :
لا يصلح النّفس إذ كانت مصرّفة * إلّا التّنقّل من حال إلى حال « 2 »
وإنّ أبلغ ما به يستعان اتّهام النّفس مع الإجادة والإحسان كما قال أبو تمام :
ويسيء بالإحسان ظنّا لا كمن * هو بابنه وبشعره مفتون « 3 »
وقد عيب النّاشئ « 4 » لما فضّل قوله :
لا شيء أعجب من جفنيك ، إنّهما * لا يضعفان القوى إلا إذا ضعفا « 5 »
على قول جرير :
إنّ العيون التي في طرفها حور * قتلننا ، ثمّ لم يحيين قتلانا « 6 »
يصرعن ذا اللبّ حتى لا حراك به * وهنّ أضعف خلق اللّه أركانا « 7 »
وقد قيل : أجود الشعر ما حملك على حفظ أهاجيك ، وأكرهك على مدح
هامش
( 1 ) انظر ( العمدة 2 / 734 ) . والخبر فيه . ويقصد بالصريع : الشاعر مسلم بن الوليد الملقب بصريع الغواتي .
( 2 ) ( ديوان أبي العتاهية ) . ورواية البيت فيه :
« لن يصلح النّفس إن . . . إلا التّنقل » . والنفس المصرفة : المشتتة ، الموزعة في شؤون العيش .
( 3 ) ( ديوان أبي تمام 3 / 331 ) .
( 4 ) الناشئ : هو أبو العباس عبد اللّه بن محمد ، الناشئ الأكبر الأنباري ، شاعر مجيد ، عالم بالأدب والدين والمنطق . ت في مصر نحو 293 ه ( العمدة 1 / 367 ، وفيات الأعيان 3 / 91 ، الأعلام 4 / 261 ) .
( 5 ) البيت في كتاب ( ما يجوز للشاعر في الضرورة ص 49 ، والعمدة مع الخبر 1 / 368 ) . برواية : « من عينيك » .
( 6 ) البيتان في ( ديوان جرير ص 163 ) من قصيدة يهجو بها الأخطل برواية : « في طرفها مرض » .
( 7 ) في الديوان برواية : « حتّى لا صراع به » . ولا صراع به ، أي : لا يقدر على مصارعتها .