تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
يعقب مرارة الأبد ، فخذ لنفسك بالثقة ، ولا ترض أن يكون الحرباء الراكب العود أحزم منك ، فإن الشاعر يقول :
أنّى أتيح لها حرباء تنضبة * لا يرسل الساق إلا ممسكا ساقا « 1 »
واحذر أن تخرج من مالك درهما حتى ترى مكانه خيرا منه ، ولا تنظر إلى كثرته ، فإنّ رمل عالج « 2 » لو أخذ منه ولم يردّ عليه لذهب عن آخره ، إن القوم قد أكثروا في ذكر الجود وتفضيله ، وفي ذكر الكرم وتشريفه ، وسمّوا الشّرف جودا وجعلوه كرما ، وكيف يكون كذلك وهو نتاج ما بين الضعف والنّفج « 3 » ، وكيف والعطاء لا يكون سرفا إلا بعد مجاوزة الحق ، وليس وراء الحق إلى الباطل كرم ، وإذا كان الباطل كرما كان الحقّ لؤما ، والسّرف - حفظك اللّه - معصية ، وإذا كانت معصية اللّه كرما ، كانت طاعته لؤما ، ولئن جمعهما « 4 » اسم واحد ، وشملهما حكم واحد ( ومضادّة « 5 » الحقّ للباطل كمضادّة الصدق للكذب ، والوفاء للغدر ، والجور للعدل ، والعلم للجهل ) ليجمعنّ هذه الخصال اسم واحد ، وليشملنّها حكم واحد ، وقد وجدنا اللّه عاب السّرف ، وعاب الحميّة « 6 » ، وعاب المعصية ، ووجدناه
هامش
( 1 ) الحرباء مذكر والتنضبة : شجرة حجازية شائكة ، والحرباء يشتد عليه حر الشمس فيلجأ إلى ساق شجرة يسنظل يظلها ، فإذا أدركته الشمس تحول إلى ساق أخرى ، وهو مثل يضرب لمن لا يدع له حاجة إلا سأل أخرى - انظر مجمع الأمثال 2 : 11 ، وجاء في لسان العرب مادة حرب « قال أبو دواد الإيادى : أنى أتيح له . قال ابن برى : هكذا أنشده الجوهري وصواب إنشاده « أنى أتيح لها » لأنه وصف ظعنا ساقها وأزعجها سائق مجد ، فتعجب كيف أتيح لها هذا السائق المجد الحازم ، وهذا مثل يضرب للرجل الحازم ، لأن الحرباء لا يفارق الغصن الأول حتى يثبت على الغصن الآخر » . ( 2 ) عالج : رمال معروفة بالبادية . ( 3 ) النفج : التفاخر الكاذب بالمال . ( 4 ) أي جمع السرف والكرم . ( 5 ) هذه الجملة حالية معترضة بين القسم ( لئن جمعهما ) وجوابه ( ليجمعن ) . ( 6 ) الحمية : شدة الأنفة ، وهي الغضب والإباء للحماية ، قال تعالى :« إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ »