تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
ولن يكون الجود إذا كان معصية كرما ، وكيف يتكرّم من يتوسل بأياديك إلى معصيتك ، وبنعمك إلى سخطك ، فليس الكرم إلا الطاعة ، وليس اللؤم إلا المعصية ، وليس بجود ما جاوز الحق ، وليس بكرم ما خالف الشكر ، ولئن كان مجاوز الحقّ كريما ليكوننّ المقصّر دونه كريما « 1 » ، فإن قضيتم بقول العامّة « 2 » فالعامة ليست بقدوة . وكيف يكون قدوة من لا ينظر ، ولا يحصّل ، ولا يفكّر ولا يمثّل « 3 » ، وإن قضيتم بأقاويل الشعراء وما كان عليه أهل الجاهلية الجهلاء ، فما فبّحوه مما لا يشكّ في حسنه أكثر من أن نقف عليه أو نتشاغل باستقصائه . على أنه ليس بجود إلا ما أوجب الشكر ، كما أنه ليس يبخل إلا ما أوجب اللؤم ، ولن تكون العطية نعمة على المعطى حتى تراود بها « 4 » نفس ذلك المعطى ، ولن يجب عليه الشكر إلا مع شريطة القصد ، وكلّ من كان جوده يرجع إليه - لولا رجوعه إليه لما جاد عليك ، ولو تهيأ له ذلك المعنى في سواك ، لما قصد إليك - فإنما « 5 » جعلك معبرا لدرك حاجته ، ومركبا لبلوغ محبته ، ولولا بعض القول « 6 » لوجب لك عليه حق يجب به الشكر ، فليس يجب لمن كان كذلك شكر ، وإن انتفعت بذلك منه ، إذ كان لنفسه عمل ، لأنه لو تهيأ له ذلك النفع في غيرك لما تخطّاه إليك . وإنما يوصف بالجود في الحقيقة ، ويشكر على النفع في حجّة العقل ، الذي إن جاد عليك ، فلك جاد ، ونفعك أراد ، من غير أن يرجع إليه جوده بشئ من المنافع
هامش
( 1 ) أي إذا عد مجاوز الكرم إلى السرف كريما ، جاز أن يعد المقصر دون حد الكرم كريما ما دام معنى الكرم لا يدرك إدراكا صحيحا . ( 2 ) وهو عدهم كل سرف كرما . ( 3 ) لا يمثل : أي لا يصور الحقائق تصويرا صادفا . ( 4 ) تراود : أي تقصد وتبغى ، أي إلا إذا أريد بها نفس الآخذ لا ما ينتظر منه من فائدة . ( 5 ) جملة فإنما خبر للمبتدأ « وكل من كان جوده » وقرن الخبر بالفاء لدلالة المبتدأ على العموم . ( 6 ) أي ولولا الخوف من بعض القول وهو أن نتهم بالمغالاة لقلنا بوجوب شكر الجواد للمجود عليه .