تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
« بسم اللّه الرحمن الرحيم : أما بعد فقد بلغني ما كان من ذكر أبى العاص لنا » وتنويهه « 1 » بأسمائنا ، وتشنيعه علينا ، وليس يمنعنا من جوابه إلا أنه إن أجابنا لم يكن جوابنا أيّاه على قوله الثاني أحقّ بالترك من جوابنا له على قوله الأول ، فإن نحن جعلنا لابتدائه جوابا ، وجعلنا لجوابه الثاني جوابا ، خرجنا إلى التّهاتر « 2 » ، وصرنا إلى التخابر « 3 » ، ومن خرج إلى ذلك فقد رضى باللّجاج « 4 » حظّا ، وبالسّخف « 5 » نصيبا ، وليس يحترس من أسباب اللجاج إلا من عرف أسباب البلوى « 6 » ، ومن وقاه اللّه سوء التكفى « 7 » وسخفه ، وعصمه من سوء التصميم « 8 » ونكده ، فقد اعتدلت طبائعه ، وتساوت خواطره ، ومن قامت أخلاطه على الاعتدال وتكافأت خواطره في الوزن ، لم يعرف من الأعمال إلا الاقتصاد ، ولم يجد أفعاله أبدا إلا بين التقصير والإفراط ، لأن الموزون لا يولّد إلا موزونا ، كما أن المختلف لا يولّد إلا مختلفا « 9 » ، فالمتتايع « 10 » لا يثنيه زجر ، وليست له غاية دون التّلف ، والمتكّفى ليس له مأتى ولا جهة ، ولا له رقية « 11 » ولا فيه حيلة ، وكلّ متلوّن « 12 » في الأرض فمنحلّ العقد ،
هامش
( 1 ) التنويه هنا : الذكر ، أي وذكر أسمائنا ، فقد تقدم قول أبى العاص في أول رسالته إلى الثقفي « واختلافك إلى ابن التوءم » . ( 2 ) تهاترا : ادعى : كل على صاحبه باطلا . ( 3 ) تخابر الرجلان : تغالبا في العلم والمعرفة ، يقال : خابره في العلم فخبره : أي غالبه فعلبه ، وفي النسخ « التجابر » ولم نجد لها معنى . ( 4 ) التمادي في الخصومة . ( 5 ) السخف : ضعف العقل . ( 6 ) أي لأن اللجاج يؤدى حتما إلى شر ومصيبة ، فمن تجنب أسبابه تجنب أسباب المصائب . ( 7 ) الذي في لسان العرب . التكفؤ : التمايل إلى قدام ، يهمز ولا يهمز ، والأصل الهمز ، تكفأ تكفؤا كتقدم تقدما ، فإذا خففت الهمزة التحق بالمعتل وصار تكفى تكفيا كتسمى تسميا ، ولكن المراد بالتكفى هنا : اكتفاء المرء برأي نفسه وتشبثه به واستبداده ، يؤيد ذلك الفقرة التالية . ( 8 ) التصميم : المضي في الأمر من غير إصغاء إلى نصح . ( 9 ) أي لأن الأفعال آثار الأمزجة ، فإذا كانت الأمزجة معتدلة متزنة أنتجت أفعالا متزنة ، وإذا كانت مضطربة أنتجت أفعالا كذلك . ( 10 ) لتتايع : المتهافت على الشر المتمادى فيه المسرع إليه من غير تثبت أو نظر في الأمور . ( 11 ) أي لا تجد منفذا لهدايته وإرشاده ، ولا تنفع فيه الوسائل ، وهو أشبه بمن مسته الجن ، لا تنفع فيه رقية . والرقية : ما يقرأ للمحموم والمصروع ليشفى . ( 12 ) المتلون المنقلب في الرأي ، له في كل ساعة رأى .
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 89 | أحمد زكي صفوت