تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
ميسّر لكل ريح ، فدع عنك خلطة الإمّعة « 1 » فإنه حارص « 2 » لا خير فيه ، واجتنب ركوب الجموح ذي النّزوات ؛ فإن غايته القتل الزّؤاف « 3 » ، ولا « 4 » في الحرون ذي التصميم ، والمتلون شر من المصمّم ، إذ كنت لا تعرف له حالا يقصد إليها ، ولا جهة يعمل عليها ، ولذلك صار العاقل يخدع العاقل ولا يخدع الأحمق ؛ لأن أبواب تدبير العاقل وحيله معروفة ، وطرق خواطره مسلوكة ، ومذاهبه محصورة معدودة ، وليس لتدبير الأحمق وحيله جهة واحدة من أخطأها كذب « 5 » ، والخبر الصادق عن الشئ الواحد واحد ، والخبر الكاذب عن الشئ الواحد لا يحصى له عدد ، ولا يوقف منه على حدّ ، والمصمّم قتله بالإجهاز « 6 » ، والمتلوّن قتله بالتعذيب « 7 » ، فإن قلنا فليس إليه « 8 » نقصد ، وإن احتججنا فلسنا عليه نردّ ، ولكنا إليك نقصد بالقول ، وإليك نريد بالمشورة ، وقد قالوا : « احفظ سرّك فإن سرّك من دمك » وسواء ذهاب نفسك وذهاب ما به يكون قوام نفسك « 9 » ، قال المنجاب العنبرىّ : « ليس بكبير ما أصلحه المال « 10 » » وفقد الشئ الذي به تصلح الأمور ، أعظم من الأمور « 11 » ، ولهذا قالوا في الإبل : « لو لم يكن فيها إلا أنها رقوء « 12 » الدم » فالشىء
هامش
( 1 ) الإمع والإمعة : الرجل يتابع كل إنسان على رأيه لا يثبت على شئ . ( 2 ) الحارص : الملتهم لا يكاد يترك شيئا . ( 3 ) عبارة النسخ « واجتنب ركوب الجموح فإن غايته قبل الذواق ذي البدوات » وهي غير مفهومة . والقتل الزؤاف : السريع . ( 4 ) عطف على المجرور في لا خير فيه ، أي ولا خير في الحرون ، والحرون ، الدابة تعصى صاحبها فتقف ولا تمشى . ( 5 ) أي ليس للأحمق اتجاه واحد في تدبيره ، حتى إذا لم يهتد إليه إنسان قيل إنه أخطأ . ( 6 ) المراد أن الضرر الذي يصل من المصمم يصل دفعة واحدة . فهو كالقتل بالإجهاز . ( 7 ) أي أن المتلون يأتيك منه الضرر في نوبات متقطعة ، فكأنه يقتل بالتعذيب . ( 8 ) الضمير في إليه يعود إلى المتلون . ( 9 ) أي ما دام السر جزءا من الدم وهو قوام النفس ، ففقده يساوى فقد النفس . ( 10 ) أي كل ضرر يستطيع المال أن يصلحه ليس بكبير . ( 11 ) أي فقد المال الذي يصلح اختلال الأمور أعظم من فقد أي أمر . ( 12 ) رقأ الدم : جف وسكن ، والرقوء كصبور : ما يوضع على الدم ليرقئه : أي أنها تحقن الدماء لأنها تدفع في الديات فيكف صاحب الثأر عن طلبه فيحقن دم القاتل ، وجواب لو محذوف : أي لكفاها فضلا وهو من قول أكثم بن صيفي - انظر جمهرة خطب العرب 1 : 305 .