تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
قد خص السّرف بما لم يخصّ يه الحمّية « 1 » ، لأنه ليس حبّ المرء لرهطه من المعصية ، ولا أنفته من الضيم من حميّة الجاهلية ، وإنما المعصية ما جاوز الحقّ ، والحمية المعيبة ما تعدّى القصد ، فوجدنا اسم الأنفة قد يقع محمودا ومذموما ، وما وجدنا اسم المعصية ولا اسم السّرف يقع أبدا إلا مذموما ، وإنما يسرّ باسم السرف جاهل لا علم له ، أو رجل إنما يسرّ به لأن أحدا لا يسميه مسرفا حتى يكون عنده قد جاوز حدّ الجود ، وحكم له بالحق ثم أردفه بالباطل « 2 » ، فإن سرّ من غير هذا الوجه « 3 » ، فقد شارك المادح في الخطأ ، وشاكله في وضع الشئ في غير موضعه . وقد أكثروا في ذكر الكرم ، وما الكرم إلا كبعض الخصال المحمودة التي لم يعدمها بعض الذمّ « 4 » ، وليس شئ يخلو من بعض النقص والوهن ، وقد زعم الأولون أن الكرم يسبّب الغبا « 5 » ، وأن الغبا يسبّب البله « 6 » ، وأنه ليس وراء البله إلا العته « 7 » ، وقد حكوا عن كسرى أنه قال : « احذروا صولة الكريم إذا جاع ، واللئيم إذا شبع » وسواء جاع فظلم ، وأحفظ وعسف ، أم جاع وكذب ، وضرع وأسفّ « 8 » ، وسواء جاع فظلم غيره ، أم جاع فظلم نفسه ، والظلم لؤم ، وإن كان الظلم ليس بلؤم ، فالإنصاف ليس بكرم ، وإن كان الجود على من لا يستحق الجود كرما ، فالجود لمن وجب له ذلك ليس بكرم ، فالجود إذا كان للّه كان شكرا له ، والشكر كرم ،
هامش
( 1 ) أي مع أن اللّه عاب الحمية فإن هناك ضربا من الحمية محمودا ، أما السرف والمعصية فمذمومان على الإطلاق ، وليس في أحمدهما نوع محمود . ( 2 ) أي أنه يسر بوصفه بالسرف ، لأن هذا الوصف يتضمن معنى الجود ، ثم مجاوزة الحد فيه ، فواصفه في هذه الحال حكم له بالجود ضمنا ، وهذا حق ، ثم أردفه بالباطل وهو مدح السرف . ( 3 ) أي وظن أن مادحه يصفه بالجود المحمود الذي لم يخرج إلى السرف . ( 4 ) أي لم يفقد منها بعض الذم بتجاوزها القصد أو بالمغالاة قيها . ( 5 ) الغبا : عدم الفطنة ، غبي الشئ وعنه كفرح غبا وغباوة وعبارة النسخ « أن الكرم يسبب الغنى وأن الغنى . . . » . ( 6 ) البله : ضعف العقل وبابه فرح . ( 7 ) في النسخ « المعتوه » والعته : نقص العقل أو فقده ، والمراد هنا الثاني . ( 8 ) أسف : انحط إلى دنيئات الأمور .