تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
أحدا منهم سفّه حلم كعب على جوده بنفسه ، بل جعلوا ذلك من كعب لإياد مفخرا ، وجعلوا ذلك من حاتم طيّئ مأثرة لعدنان على قحطان ، ثم للعرب على العجم ، ثم لسكّان جزيرة العرب ولأهل تلك البرّيّة على سائر الجزائر والتّرب ، فمن أراد أن يخالف ما وصف اللّه جلّ ذكره به نفسه ، وما منح من ذلك نبيّه صلى اللّه عليه وسلم ، وما فطر على تفضيله العرب قاطبة ، والأمم كافّة ، لم يكن عندنا فيه إلا إكفاره واستسقاطه ، ولم نر الأمة أبغضت جوادا قطّ ولا حقرته ، بل أحبّته وأعظمته ، بل أحبّت عقبه وأعظمت من أجله رهطه ، ولا وجدناهم أبغضوا جوادا لمجاوزته حدّ الجود إلى السّرف ولا حقرته ، بل وجدناهم يتعلمون مناقبه ، ويتدارسون محاسنه ، وحتى أضافوا إليه من نوادر الجميل « 1 » ما لم يفعله ، ونحلوه « 2 » من غرائب الكرم ما لم يكن يبلغه ، ولذلك زعموا أن الثناء في الدنيا يضاعف كما تضاعف الحسنات في الآخرة ، نعم وحتى أضافوا إليه كلّ مديح شارد ، وكلّ معروف مجهول الصاحب . ثم وجدنا هؤلاء بأعيانهم « 3 » للبخيل على ضد هذه الصّفة ، وعلى خلاف هذا للذهب ، وجدناهم يبغضونه مرة ، ويحقرونه مرة ، ويبغضون بفضل بغضه ولده ، ويحتقرون بفضل احتقارهم له رهطه ، ويضيفون إليه من نوادر اللؤم ما لم يبلغه ، ومن غرائب البخل ما لم يفعله ، وحتى ضاعفوا عليه من سوء الثناء بقدر ما ضاعفوا للجواد من حسن الثناء ، وعلى أنّا لا نجد الجوائح « 4 » إلى أموال الأسخياء
هامش
أمس ، وارتحل القوم ، وقالوا : يا كعب ارتحل ، فلم يكن به قوة للنهوض ، وكانوا قد قربوا من الماء ، فقيل له : رد - كعب - إنك رواد ، فعجز عن الجواب ومات عطشا ، فقال أبوه مامة يرثيه :أوفى على الماء كعب ثم قيل له * رد كعب إنك وارد فما وردا« مجمع الأمثال 1 : 123 » وقوله « ولم يكن الفرزدق ليضرب المثل » أي ليتشبه بكعب بن مامة - لأنه آثر هو أيضا العنبري على نفسه - وفي الكلام حذف ، والتقدير : لم يكن ليفعل ذلك إلا لبلوغه الغاية في كرم النفوس . ( 1 ) أي الفعل الجميل . ( 2 ) نحلوه : نسبوا إليه . ( 3 ) في النسخ « بأنعاتهم » . ( 4 ) جمع جائحة : وهي الآفة .
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 74 | أحمد زكي صفوت