تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨
وأمير المؤمنين يخبركم معاشر المسلمين ، أن اللّه عز وجل لما ابتعث محمدا بدينه ، وأمره أن يصدع بأمره ، بدأ بأهله وعشيرته ، فدعاهم إلى ربه وأنذرهم وبشّرهم ، ونصح لهم وأرشدهم ، فكان من استجاب له وصدّق قوله واتّبع أمره نفر يسير من بنى أبيه ، من بين مؤمن بما أتى به من ربه ، وبين ناصر له وإن لم يتّبع دينه ، إعزاز له وإشفاقا عليه ، لماضى علم اللّه فيمن اختار منهم ، ونفذت مشيئته فيما يستودعه إياه من خلافته وإرث نبيّه ، فمؤمنهم مجاهد ببصيرته ، وكافرهم مجاهد بنصرته وحميّته ، يدفعون من نابذه ، ويقهرون من عارّه « 1 » وعانده ، ويتوثّقون له ممن كانفه وعاضده ، ويبايعون له من سمح بنصرته « 2 » ، ويتجسّسون له أخبار أعدائه « 3 » ويكيدون له بظهر الغيب كما يكيدون له برأي العين ، حتى بلغ المدى ، وحان وقت الاهتداء ، فدخلوا في دين اللّه وطاعته وتصديق رسوله والإيمان به ، بأثبت بصيرة ،
هامش
( 1 ) عاره معارة وعرارا : قانله وآذاه ، وفي شرح ابن أبي الحديد « عازه » بالزاي ، يقال : عازنى فعززته أي غالبني فغلبته ، وكانفه : عاونه وساعده . ( 2 ) يعنى بذلك جده العباس بن عبد المطلب ، وما كان منه في بيعة العقبة الثانية ، وذلك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ( قبل هجرته من مكة ) كان قد تواعد مع أنصاره من أهل المدينة الذين استجابوا لدعوته ( في موسم الحج ) أن يجتمع بهم عند العقبة ليلا خفية من قريش ، ووافاهم هناك ومعه عمه العباس ، وهو يومئذ على دين قومه ، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له ، فلما جلس كان أول متكلم العباس ، فقال : يا معشر الخزرج - وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج ، خزرجها وأوسها - إن محمدا منا حيث قد علمتم ، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه ، فهو في عز من قومه ومنعة في بلده ، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم ، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ، وما نعوه ممن خالفه ، فأنتم وما تحملتم من ذلك ، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم ، فمن الآن فدعوه ، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده . . . الخ - انظر تاريخ الطبري 2 : 238 ، وسيرة ابن هشام 1 : 266 . ( 3 ) يعنى ما كان من العباس في غزوة أحد ، وذلك أن جيش المشركين كان قد خرج من مكة لمحاربة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - انتقاما لما أصابهم يوم بدر - حتى نزلوا مقابل المدينة ، وبلغ الخبر رسول اللّه من كتاب بعث به إليه عمه العباس مع رجل استأجره لذلك ولم يخرج معهم في هذه الحرب ، محتحا بما أصابه يوم بدر ولم يساعدهم بشئ ( وقد قدمنا في ص 87 من الجزء الثالث أنه كان خرج مع المشركين يوم بدر وأسر وأخذ رسول اللّه منه الفدية ) وكان بمكة يكتب إلى رسول اللّه بأخبار المشركين ، وقيل : إنه كان قد أسلم قبل الهجرة ، وكان يكتم إسلامه - انظر أسد الغابة 3 : 110 والسيرة الحلبية 2 : 230 .
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 328 | أحمد زكي صفوت