تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
وأوسع مجالا ومضطربا ، فجعل اللّه حظّك حظّ الصابرين المحتسبين ، الذين عرفوا فسلّموا ، وأيقنوا فصبروا ، وإنا للّه وإنا إليه راجعون ، أخذا بأدب اللّه الذي قرن به صلاته ورحمته ، ورحم اللّه فلانا رحمة تأتى من وراء زلله ، وتعفّى على فرطات لسانه ويديه ، فلقد ظعن عن الدنيا محمودا مفقودا ، قد أطال تفجّع عشيره وخليله ، وصدع في قلبه ، وجافى جنبه ، وأعدمه سلوة العوض ، وراحة السكون إلى أحد . وبعد ، فإن الرّمض « 1 » والهلع إنما يكونان للمصيبة الخاصّة التي لا تعدو صاحبها ، ولا يجد مسعدا عليها ، ولا شريكا فيها ، وقد أعانك اللّه على مصيبتك بالواشج « 2 » رحما بك ، والبعيد نسبا منك ، وجمع في ثقل محملها وألم فجعها صديقك وعدوّك ، وكلّ مكتس منها سربال وحشة ، ومنطو على دخيل حزن ، وناظر من أعقابها في منظر وعر ، فجميعهم « 3 » فيها مشترك ، وأنت بالتعزّى حقيق قمن « 4 » ، على أنها لو خصّتك لكان في علمك - بأن كل مصيبة سلمت من شائنة تنتقص ثوابها فهي النعمة الوافية ، وكلّ مصيبة تحيّف « 5 » جزعها أجرها فهي الرّزية الباقية - ما أغناك وكفاك عن أن تعيش من غيرك ، أو تعوّل في حظّك على سواك ، وأن يتخطّى الجزع نعمة اللّه عليك إلى قلبك ، أو يجتازها إلى عزمك ، اللهمّ إلّا ما لا تملكه النفس في بدء الصّدمة من لوعة الفرقة حتى تقسم أمرها ، وتصير إلى أخذ مالها وترك ما عليها ، فتفثأ « 6 » بفوز قدحك ، وبغنم سهمك ، ويبقى اللّه أثرك منهجا لغيرك ، فقديما وهب اللّه لك الخيرة في رأيك ، والتوفيق في إيرادك وإصدارك ، فله الحمد ومنه المعونة على الشكر ، وبطوله يستحقّ المزيد ، فإن رأيت أن تأمر
هامش
( 1 ) الرمض : حرقة القيظ . ( 2 ) وشجت بك قرابته كوعد : اشتبكت ، والواشجة : الرحم المشتبكة . ( 3 ) في الأصل « فعجلك » . ( 4 ) أي حقيق أيضا ، بكسر الميم وفتحها وكأمير . ( 5 ) أي تنقص . ( 6 ) فثىء كفرح : انكسر غضبه ، وفي الأصل فعثا » وربما كان « فتهنأ » .
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 218 | أحمد زكي صفوت