يا حمار ، فقال له الكاتب : أصلح اللّه الأمير ، إنه لما هطلت شآبيب « 1 » الكلام ، وتدافعت سيوله على حرف القلم ، كلّ القلم عن إدراك ما وجب عليه تقييده ، فليتذكر الأمير عذرى ، فكان حضور جواب الكاتب أبلغ من بلاغة يزيد .
وقال له يوما وقد نطّ حرفا في غير موضعه : ما هذا ؟ قال : طغيان في القلم .
وكلما احلولى الكلام وعذب ورقّ وسهلت مخارجه ، كان أسهل ولوجا في الأسماع ، وأشدّ اتصالا بالقلوب ، وأخفّ على الأهواء ، ولا سيما إذا كان المعنى البديع مترجما بلفظ مونق « 2 » شريف ، ومعبّرا بكلام مؤلّف رشيق ، لم يشنه التكلّف بميسمه « 3 » ، ولم يفسده التعقيد باستهلاكه ، كقول ابن أبي كريمة :
قفاه وجه حسن ، والذي * قفاه وجه يشبه الشمسا
فهجّن المعنى بتوعّر مخارج الحروف ، وأخذه الحسن بن هانئ فسهّله وقال :
« بذّ « 4 » حسن الوجوه حسن قفاكا » وكلاهما من حسّان حيث يقول :
قفاؤك أحسن من وجهه * وأمّك خير من المنذر « 5 »
وانظر إلى سلاسة الحسن بن سهل حيث قال :
شرست بل لنت بل قابلت ذاك بذا * فأنت لا شكّ فيك السهل والجبل
وكتب عيسى بن لهيعة كتابا إلى أخيه أبى الحسن ، فعقّد كلامه ، وجاز المقدار في التّنطع ، فوقّع في أسفل كتابه :
هامش
( 1 ) شآبيب : جمع شؤبوب كعصفور ، وهي الدفعة من المطر .
( 2 ) أي معجب .
( 3 ) وسمه : أثر فيه بسمة ، أي علامة ، والميسم : الآلة التي يوسم بها .
( 4 ) بذ : فاق .
( 5 ) القفا قد يمد كما في هذا البيت ، والعرب تؤنثه ، والتذكير أعم . وكان حسان بن ثابت زار الحرث ابن أبي شمر الغساني - وكان النعمان بن المنذر يساميه - فقال الحرث لحسان : لقد نبئت أنك تفضل النعمان على ، فقال : وكيف أفضله عليك ؟ فو اللّه لقفاك أحسن من وجهه ، ولأمك أشرف من أبيه ، في كلام كثير ، فقال له : هذا لا يسمع إلا في شعر ، فنظمه في أبيات منها هذا البيت - انظر ديوان حسان ص 182 ومروج الذهب 1 : 299 .