تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
ويسئ بالإحسان ظنّا ، لا كمن * هو بابنه وبشعره مفتون
ولكن اعرضه على البلغاء والشعراء والخطباء ممزوجا بغيره ، فإن أصغوا إليه ، وأذنوا « 1 » له ، وشخصوا بالأبصار ، واستعادوه وطلبوه منك وامتزج ، فاكشف من تلك الرسالة والخطبة والشعر اسمه ، وانسبه إلى نفسك ، وإن رأيت عنه العيون منصرفة ، والقلوب عنه ذاهبة « 2 » ، فاستدلّ به على تخلفك عن الصناعة ، وتقاصرك عنها ، واسترب رأيك عند رأى غيرك من أهل الأدب والبلاغة ، فقد بلغني أن بعض الملوك دعا إنسانا إلى مؤانسته ، حتى ارتفعت الحشمة بينهما ، فأخرج له كتابا قد غشّاه بالجلود ، وجمع أطرافه بالإبريسم « 3 » ، وسوّى ورقه ، وزخرف كتابته ، وجعل يقرأ عليه كلاما قد حبّره « 4 » فيه ، ونمّقه عند نفسه ، وجعل يستحسن ما لا يحسن ، ويقف على ما لا يستثقل قراءته ، حتى أتى على الكتاب ، فقال له : كيف رأيت ما قرأت عليك ؟ فقال : أرى عقل صانع هذا الكلام أكثر من كلامه ، ففطن له ولم يعاوده ، إلى أن وقف به على تنّور مسجور « 5 » ، ثم قذف بالكتاب في النار ، وهذا رجل في عقله فضلة ، وفيه تمييز . وإنما البليّة فيمن إذا بيّنت له سوء نظمه واختياره ، ووقفته على سخافة لفظه ، هجرك وعاداك ، فاجعل هذا الأصل ميزانا تزن به مذهبك في رسائلك وبلاغتك ، ولا تخاطبنّ خاصّا بكلام عام ، ولا عامّا بكلام خاصّ ، فمتى خاطبت أحدا بغير ما يشاكله ، فقد أجريت الكلام غير مجراه ، وكشفته ، وقصدك بالكلام الشريف للرجل الشريف تنبيه لقدر كلامك ، ورفع لدرجته ، قال :
فلم أمدحه تفخيما لشعرى * ولكني مدحت بك المديحا
هامش
( 1 ) أذن إليه وله كفرح : استمع معجبا ، أو عام . ( 2 ) في الأصل « واهية » . ( 3 ) الإبريسم : الحرير . ( 4 ) التحبير : التحسين . ( 5 ) التنور : الذي يخبز فيه - الفرن - وسجر التنور : أحماه .
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 198 | أحمد زكي صفوت