وقال آخر :
وشعر الفتى يبدي غريزة طبعه * وبالكتب يبدو عقله وبلاغته
وقيل للشّعبى : أي شئ تعرف به عقل الرجل ؟ قال : إذا كتب فأجاد .
وقال العتبى : عقول الناس مدوّنة في كتبهم ، وقال ابن المقفّع : كلام الرجل وافد عقله .
وشبّهت الحكماء المعاني بالغوانى ، والألفاظ بالمعارض ، فإذا كسا الكاتب البليغ المعنى الجزل لفظا رائقا ، وأعاره مخرجا سهلا ، كان للقلب أحلى ، وللصدر أملى « 1 » ، ولكنه بقي عليه أن ينظمه في سلكه مع شقائقه ، كاللؤلؤ المنثور الذي يتولّى نظمه الحاذق ، والجوهرىّ العالم يظهر بإحكام الصّنعة له حسنا هو فيه ، ومنحة بهجة هي له ، كما أن الجاهل إذا وضع بين الجوهرتين خرزة ، هجّن « 2 » نظمه ، وأطفأ نوره . كان حبيب « 3 » بن أوس ربما وقع على جوهرة فجعلها بين بعرتين ، قال الشاعر :
ولو قرنت بدرّ فاخر خرزا * من الزجاج لقلنا بئس ما نظما
والياقوت حسن ، وهو في جيد الحسناء أحسن ، وكذلك الشعر الجيّد مونق « 4 » ولكنه من أفواه العظماء آنق ، والتاج الشريف بهىّ المنظر ، وهو على الملك أبهى ، كما قال ابن قيس الرّقيّات « 5 » :
هامش
( 1 ) سهل عن أملأ .
( 2 ) التهجين : التقبيح .
( 3 ) هو أبو تمام الشاعر العباسي المشهور - انظر ترجمته في وفيات الأعيان 1 : 121 ، والأغانى 15 : 96 ، والفهرست لابن النديم ص 235 .
( 4 ) آنقنى الشئ إينافا : أعجبني .
( 5 ) هو عبيد اللّه بن قيس ، وإنما لقب بذلك لأنه شبب بثلاث نسوة سمين جميعا رقية ، كان زبيرى الهوى ، وخرج مع مصعب بن الزبير على عبد الملك بن مروان ، فلما قتل مصعب وقتل عبد اللّه بن الزبير هرب فلجأ إلى عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب ، فسأل عبد الملك في أمره فأمنه - انظر ترجمته في الأغانى 4 : 154 ، والشعر والشعراء ص 212 .