تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
وكذلك لا تعظّم الطّينة ، ففي المثل : « من عظّم الطّينة فإنه مظلوم » ولا تطبعها إلا بعد عنواناتها ، فإن ذلك من أدبهم « 1 » ، وقد يجب عليك علم إلصاق القراطيس ومحوها ، ولم أر شيئا في إلصاقها ألطف من أن ينقع الصّمغ العربي في الماء ساعة حتى يذوب ، ثم يلصق به ، وكذلك ماء الكثيراء والنّشاستج « 2 » ، ثم تطويه طيّا رقيقا ، وتجعله في منديل نظيف ، ويرفع تحت وسادة حتى يجفّ . وأما محوها ، فعلى قدر لطف الكاتب وتأنيّه ، غير أنه ينبغي له أن لا يلقط السواد من القرطاس إلا بمثل الشمع المسخّن واللّبان الممضوغ ، وما أشبههما ، ثم يكون لفظه رويدا رويدا ، كلما لقط جانبا حوّله إلى الجانب الآخر . وأما قراءة الكتب المختومة والتلطّف لنقض خواتيمها ، فمما لا نذكره خوفا من سفيه . وأما تضمين الأسرار في الكتب حتى لا يقرأها غير المكتوب إليه ، ففيه أدب يجب معرفته ، وقد تعلّقت العامّة بالمعمّى ، قال الأصبهاني « 3 » : وكان أبو حاتم سهل ابن محمد قد وضع منه أشياء جليلة من تبديل الحروف تبديلا يخفى ، وألطف من ذلك أن تأخذ لبنا حليبا فتكتب به في قرطاس ، فيذرّ المكتوب إليه عليه رمادا حارا من رماد القراطيس ، فإنه يظهر ما كتبت به إن شاء اللّه ، وإن كتبت بماء الزاج الأبيض وذرّ عليه العفص المدقوق بزاج ، أو بماء العفص وذر عليه شيئا من الزاج ، أو تنقع شيئا من وشّق « 4 » ثم تكتب به ، ثم نثرت عليه الرماد فإنه يظهر ، وإن أحببته لا يقرأ بالنهار ويقرأ بالليل فاكتبه بمرارة السّلحفاة . وإن حاولت صنعة رسالة أو إنشاء كتاب ، فزن اللفظة قبل أن تخرجها بميزان
هامش
( 1 ) في الأصل « فإن ذلك مراد بهم » وهو تحريف . ( 2 ) هو النشا ، فارسي معرب حذف شطره تخفيفا . ( 3 ) في رسائل البلغاء : « تعلقت العامة بالقمي والأصبهاني » وهو تحريف . ( 4 ) الوشق والأشق كسكر : صمغ نبات . ( 13 - جمهرة رسائل العرب - رابع )