تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
التصريف إذا عرضت ، وعاير الكلمة بمعياره إذا سنحت ، فربما مرّ بك موضع يكون مخرج الكلام إذا كتبت : « أنا فاعل » أحسن من أن تكتب : « أنا أفعل » وموضع آخر يكون فيه « استفعلت » أحلى من « فعلت » . فأدر الألفاظ على أعكانها « 1 » ، واعرضها على معانيها ، وقلّبها على جميع وجوهها ، فأي لفظة رأيتها في المكان الذي ندبتها إليه ، فأنزعها إلى المكان الذي أوردتها عليه ، وأوقعها فيه ، ولا تجعل اللفظة قلقة في موضعها ، نافرة عن مكانها . فإنك متى فعلت هجّنت الموضع الذي حاولت تحسينه ، وأفسدت المكان الذي أردت إصلاحه ، فإنّ وضع الألفاظ في غير أماكنها ، وقصدك بها إلى غير نصابها « 2 » ، إنما هو كترقيع الثوب الذي إذا لم تتشابه رقاعه ، ولم تتقارب أجزاؤه ، خرج من حدّ الجدّة ، وتغيّر حسنه ، كما قال الشاعر :
إن الجديد إذا ما زيد في خلق * يبين للنّاس أن الثوب مرقوع
وارتصد لكتابك فراغ قلبك ، وساعة نشاطك ، فتجد ما يمتنع عليك بالكدّ والتكلف ، لأن سماحة النفس بمكنونها ، وجود الأذهان بمخزونها ، إنما هو مع الشهوة المفرطة في الشعر « 3 » ، والمحبة الغالبة فيه ، أو الغضب الباعث منه ذلك . قيل لبعضهم لم لا تقول الشعر ؟ قال : كيف أقوله ، وأنا لا أغضب ولا أطرب ! وهذا كله إن جريت من البلاغة على عرق « 4 » ، وظهرت منها على حظ ، فأما إن كانت غير مناسبة لطبعك ، ولا واقعة شهوتك عليها ، فلا تنض « 5 » مطيّتك في التماسها ، ولا تتعب
هامش
( 1 ) الأعكان والعكن ( بضم ففتح ) : الأطواء في البطن من السمن ، وواحدة العكن عكنة بضم فسكون ، والكلام على التشبيه ، وفي رسائل البلغاء : « فأدر الألفاظ في أماكنها . . . . حتى تقع موقعها » . ( 2 ) النصاب : الأصل . ( 3 ) في الأصل « الشعر » وهو تحريف . ( 4 ) العرق : الأصل . ( 5 ) أنضاه : هزله .