تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
ومما لا يجوز في الرسائل ، وكرهوه في الكلام أيضا ، مثل قولهم : كلمت إياك وأعنى إياك ، وهو جائز في الشعر ، قال الشاعر :
وأحسن وأجمل في أسيرك إنه * ضعيف ، ولم يأسر كإياك آسر
وقال الراجز :
« إياك حتى بلغت إياك »
وإساءة النظم في التأليف في الشعر كثير . وتكون الكلمة بشعة حتى إذا وضعت موضعها ، وقرنت مع أخوانها » حسن حالها وراقت ، كقول الحسن بن هانئ « 1 » : « ذو خصر أفلت من كدّ البل « 2 » » والكدّ كلمة قلقة لا سيّما في الرقيق والغزل والتشبيب ، غير أنها لمّا وقعت في موضعها حسنت ، كما أن اللفظة العذبة إذا لم توضع موضعها نفرت ، قال الشاعر :
رأت عارضا جونا فقامت غريرة * بمسحاتها قبل الظلام تبادره « 3 »
فأوقع الجلف « 4 » الجافي هذه اللفظة غير موقعها ، وظلمها إذ جعلها في غير مكانها ، لأن المساحى لا تكون ولا تصلح للغرائر ، وأين كان عن قول الشاعر :
غرائر ، ما حدّثن يهدين أنسه * فما فوقه منهن غير غرائر حديث لو أنّ العصم تدعى به أتت * ودون يد الفحشاء حدّ البواتر « 5 »
فتخيّر من الألفاظ أرجحها وزنا ، وأجزلها معنى ، وأشرفها جوهرا ، وأكرمها
هامش
والمحكك : الذي تتحكك به ، والعذيق تصغير العذق ( بالفتح ) : وهو النخلة ، والمرجب الذي جعل له رجبة ( كركبة ) وهي دعامة تبنى حولها من الحجارة ، وذلك إذا كانت النخلة كريمة وطالت تخوفوا عليها أن تنقعر من الرياح العواصف ، وهو مثل ، والمراد أنه رجل يستشفى برأيه وعقله . ( 1 ) هو أبو نواس الشاعر العباسي المشهور . ( 2 ) ذو خصر : أي ذو ثغر خصر أي بارد ، وفي الأصل « حضر » وهو تصحيف . ( 3 ) العارض : السحاب المعترض في الأفق ، والجون : الأسود ( والأبيض أيضا ، ضد ) والمسحاة ما سحى به الطين ، أي قشر وجرف ، والغريرة : الشابة لا تجربة لها . ( 4 ) الجلف : الجافي . ( 5 ) أنسه : أي أنس الحديث ، والعصم : جمع أعصم ، وهو الوعل الذي في ذراعيه بياض وسائره أسود أو أحمر ، والباتر : السيف القاطع .