« أما بعد : فإنه لولا نظر أمير المؤمنين واستبقاؤه ، لم يؤخرك عقوبة قتل ابن نصر ابن سيّار ، واستبدادك به ، بما يقطع أطماع العمّال في مثله ، فأمسك عمّن ولاك أمير المؤمنين أمره من عربىّ وأعجميّ ، وأحمر « 1 » وأسود ، ولا تستبدنّ على أمير المؤمنين بإمضاء عقوبة في أحد قبله تباعة « 2 » ، فإنه لا يرى أن يأخذ أحدا بظنّة « 3 » قد وضعها اللّه عنه بالتوبة ، ولا بحدث كان منه في حرب أعقبه اللّه منها سلما ستر به عن ذي غلّة « 4 » ، وحجز به عن محنة ما في الصدور ، وليس ييأس أمير المؤمنين لأحد ولا لنفسه من اللّه من إقبال مدبر ، كما أنه لا يأمن إدبار مقبل إن شاء اللّه والسلام » .
( تاريخ الطبري 9 : 294 )
70 - كتاب عبيد اللّه العمرى إلى أبى جعفر المنصور
وروى ابن قتيبة في الإمامة والسياسة أن أبا جعفر المنصور لما قفل من حجّه سنة ثمان وأربعين ومائة ، سأل عن عبيد اللّه بن عمر بن حفص بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب ، وهو الفقيه المعروف بالعمرى ، فقيل له : إنه لم يحجّ العام يا أمير المؤمنين ، ولو حجّ لكان أول داخل عليك ، فلا تقبل عليه أحدا ، ولا يقدح فيه عندك إلا باطلىّ أو كذّاب ، فإنه من علمت ، فقال أبو جعفر : واللّه ما تخلف عن الحج في عامه هذا إلّا علما منه بأنى حاجّ فلذلك تخلّف ، ولا واللّه ما زاده ذلك عندي إلا شرفا ورفعة ، وإني من التوقير والإجلال له بحال لا إخال أحدا من الناس بذلك ، لشرفه في قريش وعظم منزلته من هذا الأمر ، والموضع الذي جعله اللّه فيه ، والمكان الذي أنزله به ، فلما قدم أبو جعفر بغداد ورد عليه كتاب عبيد اللّه العمرى ، وفيه :
هامش
( 1 ) الحمراء : العجم لبياضهم ولأن الشقرة أغلب الألوان عليهم ، وكانت العرب تقول للعجم الذين يكون البياض غالبا على ألوانهم مثل الروم والفرس ومن صاقبهم إنهم الحمراء ، وكانت تسمى الموالى الحمراء .
( 2 ) التباعة ككتابة ، والتبعة كفرحة ، واحد .
( 3 ) الظنة : التهمة .
( 4 ) الغلة في الأصل : شدة العطش وحرارة الجوف .