تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
فلما ولى أبو جعفر الخلافة أقرّ عيسى بن موسى على ما كان أبو العباس ولّاه من ولاية الكوفة وسوادها ، وكان له مكرما مجلّا ، وكان إذا دخل عليه أجلسه عن يمينه ، وأجلس المهدى ابنه عن يساره ، ثم عزم على تقديم المهدى عليه في الخلافة ، وكلّمه في ذلك برفيق من الكلام فأبى ، فتغيّر عليه وباعده بعض المباعدة . وقصد إليه بالأذى حتى أجابه إلى ما سأله « 1 » ، وكان ذلك سنة 147 ه . وروى الطبري أن أبا جعفر كتب إليه في ذلك : « بسم اللّه الرحمن الرحيم ، من عبد اللّه : عبد اللّه المنصور أمير المؤمنين إلى عيسى ابن موسى ، سلام عليك ، فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو ، أما بعد ، فالحمد للّه ذي المنّ القديم ، والفضل العظيم ، والبلاء « 2 » الحسن الجميل ، الذي ابتدأ الخلق بعلمه ، وأنفذ القضاء بأمره ، فلا يبلغ مخلوق كنه حقّه ، ولا ينال في عظمته كنه ذكره ، يدبّر ما أراد من الأمور بقدرته ، ويصدرها عن مشيئته ، لا قاضى فيها
هامش
( 1 ) من ذلك ما قيل من أن أبا جعفر سقاه بعض ما يتلفه ، فمرض مدة ، وبلغت العلة منه كل مبلغ حتى تمعط شعره ثم أفاق من علته ، وقيل إنه وضع الجند فصاروا يشتمونه إذا رأوه وينالون منه ، فشكا ذلك إلى المنصور فقال للجند : لا تؤذوا ابن أخي ، فإنه جلدة بين عيني ولو كنت تقدمت إليكم لضربت أعناقكم ، فكانوا يكفون ثم يعودون ، فمكث بذلك زمانا ، فلما كتب أبو جعفر إليه الكتاب الآتي ، وأتاه جوابه بالإباء . عاد الجند لأشد ما كانوا يصنعون ، فكانوا يأتون باب عيسى فيمنعون من يدخل إليه ، فإذا ركب مشوا خلفه ، وقالوا : أنت البقرة التي قال اللّه فيها« فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ »فعاد فشكاهم ، فقال له المنصور : يا بن أخي أنا واللّه أخافهم عليك وعلى نفسي ، قد أشربوا حب هذا الفتى ( المهدى ) فلو قدمته بين يديك فيكون بيني وبينك لكفوا ، فأجابه ، وقيل إن أبا جعفر لما أعياه الأمر في خلع عيسى بن موسى من ولاية العهد ، بعث إلى خالد بن برمك وقال له : هل عندك حيلة فيه ، فقد أعيتنا وجوه الحيل ، وضل عنا الرأي . فقال : نعم يا أمير المؤمنين ، وسار إليه في ثلاثين رجلا من كبار شيعة أبى جعفر ، فأداره بكل وجه من وجوه الحذر والطمع ، فأبى عليه ، فخرج خالد فقال : نخبر أمير المؤمنين أنه قد أجاب ، ونشهد عليه إن أنكره ، وساروا إلى أبى جعفر ، فأعلموه أنه قد أجاب . فأخرج التوقيع بالبيعة للمهدى ، وكتب بذلك إلى الآفاق ، وبلغ الخبر عيسى فأتى أبا جعفر منكرا لما ادعى عليه ، فدعاهم أبو جعفر فسألهم ، فقالوا : نشهد عليه أنه قد أجاب ، وليس له أن يرجع ، فأمضى أبو جعفر الأمر وشكر لخالد ما كان منه - انظر تاريخ الطبري 9 : 272 ، والفخري ص 155 . ( 2 ) البلاء يكون منحة ، ويكون محنة .