تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
ابتداع الأشياء كلّها بحكمته ، وإنشائها بقدرته ، والتقدّم عليها بأوّليّته التي لا يبلغ أولاها ، ولا يدرك مداها ، وكان كلّ شئ دونه خلقا من خلقه ، وحدثا هو المحدث له ، وإن كان القرآن ناطقا به ، ودالّا عليه ، وقاطعا للاختلاف فيه ، وضاهوا به قول النصارى في ادّعائهم في عيسى بن مريم أنه ليس بمخلوق ، إذ كان كلمة اللّه ، واللّه عز وجل يقول :
« إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا »
وتأويل ذلك
« أَنَّا خَلَقْناهُ » *
كما قال جل جلاله
« وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها »
وقال :
« وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً »
« وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ » .
فسوّى عزّ وجلّ بين القرآن وبين هذه الخلائق ، التي ذكرها في شية « 1 » الصّنعة ، وأخبر أنه جاعله ، وحدّه فقال :
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ »
فقال ذلك على إحاطة اللوح بالقرآن ، ولا يحاط إلا بمخلوق ، وقال لنبيه صلى اللّه عليه وسلم
« لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ »
وقال :
« ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ »
وقال :
« وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ »
وأخبر عن قوم ذمّهم بكذبهم أنهم قالوا :
« ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ »
ثم أكذبهم على لسان رسوله فقال لرسوله :
« قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى »
فسمى اللّه تعالى القرآن قرآنا وذكرا وإيمانا ونورا وهدى ومباركا وعربيّا وقصصا ، فقال :
« نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ »
وقال :
« قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ »
وقال :
« قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ »
وقال :
« لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ »
فجعل له أوّلا وآخرا ، ودل عليه أنه محدود مخلوق .
هامش
( 1 ) أي في حسنها ، من وشى الثوب كوعد وشيا وشية : أي نقشه وحسنه .
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 459 | أحمد زكي صفوت