تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦
وأن من سواهم أهل الباطل والكفر والفرقة ، فاستطالوا بذلك على الناس ، وغرّوا به الجهّال ، حتى مال قوم من أهل السّمت « 1 » الكاذب ، والتخشّع لغير اللّه ، والتقشّف لغير الدين ، إلى موافقتهم عليه ، ومواطأتهم على سيّئ آرائهم ، تزيّنا بذلك عندهم ، وتصنّعا للرّياسة والعدالة فيهم ، فتركوا الحقّ إلى باطلهم ، واتخذوا دون اللّه وليجة « 2 » إلى ضلالتهم ، فقبلت بتزكيتهم لهم شهادتهم ، ونفذت أحكام الكتاب بهم على دغل « 3 » دينهم ، ونغل أديمهم ، وفساد نيّاتهم ويقينهم ، وكان ذلك غايتهم التي إليها أجروا ، وإياها طلبوا في متابعتهم ، والكذب على مولاهم ، وقد أخذ عليهم ميثاق الكتاب -
أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ
،
أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ ، أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها
. فرأى أمير المؤمنين أن أولئك شرّ الأمة ، ورؤوس الضّلالة ، المنقوصون من التوحيد حظّا ، والمخسوسون « 4 » من الإيمان نصيبا ، وأوعية الجهالة ، وأعلام الكذب ، ولسان إبليس الناطق في أوليائه ، والهائل على أعدائه من أهل دين اللّه ، وأحقّ من يتّهم في صدقه ، وتطرح شهادته ، ولا يوثق بقوله ولا عمله ، فإنه لا عمل إلا بعد يقين ، ولا يقين إلا بعد استكمال حقيقة الإسلام ، وإخلاص التوحيد ، ومن عمى عن رشده وحظّه من الإيمان باللّه وبتوحيده ، كان عما سوى ذلك من عمله والقصد في شهادته أعمى وأضلّ سبيلا ، ولعمر أمير المؤمنين إن أحجى « 5 » الناس بالكذب في قوله ، وتخرّص الباطل في شهادته ، من كذب على اللّه ووحيه ، ولم يعرف اللّه
هامش
( 1 ) السمت : هيئة أهل الخير . ( 2 ) الوليجة : خاصتك ، أو من تتخذه معتمدا عليه من غير أهلك . ( 3 ) الدغل : الفساد ، ونغل الأديم كفرح : فسد في الدباغ . ( 4 ) خس نصيبه : جعله خسيسا دنيئا حقيرا . ( 5 ) أي أجدرهم ، يقال : هو حجى به كغنى ، وحج كشج ، وحجى كفتى أي جدير ، وتخرص عليه : افترى . .