334 - كتاب إحدى جواري المأمون إليه
وأهدت جارية من جواري المأمون تفاحة له ، وكتبت إليه :
« إني يا أمير المؤمنين لما رأيت تنافس الرّعية في الهدايا إليك ، وتواتر ألطافهم « 1 » عليك ، فكّرت في هدية تخفّ مؤنتها ، وتهون كلفتها ، ويعظم خطرها « 2 » ، ويجلّ موقعها ، فلم أجد ما يجتمع فيه هذا النّعت ، ويكمل فيه هذا الوصف ، إلا التفاح ، فأهديت إليك منها واحدة في العدد ، كثيرة في التقرّب ، وأحببت يا أمير المؤمنين أن أعرب لك عن فضلها ، وأكشف لك عن محاسنها ، وأشرح لك لطيف معانيها ، وما قالت الأطبّاء فيها ، وتفنّن الشعراء في أوصافها ، حتى ترمقها « 3 » بعين الجلالة ، وتلحظها بمقلة الصّيانة ، فقد قال أبوك الرشيد رضى اللّه عنه : « أحسن الفاكهة التفاح ، اجتمع فيه الصّفرة الدّرّيّة ، والحمرة الخمرية ، والشّقرة الذّهبية ، وبياض الفضة ولون التّبر يلذّ بها من الحواسّ : العين ببهجتها ، والأنف بريحها ، والفم بطمعها » وقال أرسطاطاليس الفيلسوف عند حضوره الوفاة ، واجتمع إليه تلاميذه : « التمسوا لي تفاحة أعتصم بريحها ، وأقضى وطري « 4 » من النظر إليها » .
وقال إبراهيم بن هانئ : « ما علّل المريض المبتلى ، ولا سكّنت حرارة الثّكلى « 5 » ، ولا ردّت شهوة الحبلى ، ولا جمعت فكرة الحيران ، ولا سكنت حنقة الغضبان ، ولا تحبّب « 6 » الفتيان في بيوت القيان ، بمثل التفاح » والتفاحة يا أمير المؤمنين إن
هامش
( 1 ) التواتر : التتابع . واللطفة بالتحريك : الهدية .
( 2 ) أي قدرها .
( 3 ) أي تلحظها .
( 4 ) الوطر : الحاجة .
( 5 ) التي فقدت ولدها .
( 6 ) في الأصل « ولا تحثت » وأراه مصحفا ، والقيان : جمع قينة بالفتح ، وهي الجارية المغنية أو أعم .