تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩

327 - كتاب لجرير بن زيد البجلي

وكتب جرير « 1 » بن يزيد البجلىّ : « أما بعد : فإنه لولا ( ما له ) « 2 » الناس من تقلّب قلوبهم ، وتصرّف حالاتهم وتباينهم ، واختلافهم وائتلافهم ، لما تشعّبوا من أصلهم ، ولا ائتلف منهم اثنان بعد تشعّبهم ، فلا بدّ فيما يحدث بين الناس من علل الوحشة ، وأسباب العداوة والفرقة ، ويجرى بينهم من المودة وداعى الصلة من سابق ومسبوق ، وداع ومجيب ، فسابق إلى قطيعة يجتنى بها من صاحبه الوحشة ، ومبتدي بصلة اجتلب بها من صاحبه الثقة ، وزرع بها في قلبه المقة له . وقد بلغني عنك في وفائك وفضلك ما حرّكنى لودّك ، ورغّبنى في خلّتك « 3 » ، ودعاني إلى طلب وصلك ، فأجبت دعاءك إلى الصلة والملاطفة بما أحسست لك من الثقة ، وحدث لي فيك من الرغبة ، فاقبل ما بذلنا من ودّنا وأحسن الإجابة إلى ما دعوناك إليه من إخائنا ، واتّبعنا بإحسان إذ كان الابتداء منا ، فإن المجيب إلى الجميل شريك الراغب فيه ، وإن المكافئ به شكل « 4 » لمسديه ، ولا تكرهنّ أن تكون لنا إذ دعوناك مجيبا ، وإذ سبقناك بالفضيلة تابعا ، فإنا قد أحسنّا إجابة فضلك ، وسلسنا في اتباع ما قادنا إليك من محاسنك ، واعلم أنك لو كنت سبقتنا إلى الصّلة ، وتقدمتنا بالرغبة ، وطلبت فضلنا عليك بالمودّة ، كنت لذلك في الفضل أهلا ، وبه جديرا ، لأن مثلك في فضلك عطّف على نفسه ، ومثلنا رغب في صلته ، فقد أهدينا
هامش
( 1 ) هو جرير بن يزيد بن خالد بن عبد اللّه القسري البجلي ، وهو أحد الخطباء المعدودين - انظر لفهرست ص 181 . ( 2 ) كذا في الأصل ، فاللام في « له » بمعنى لأجل ، أي لولا ما خلق لا جله الناس . ( 3 ) الخلة : الصداقة . ( 4 ) الشكل : الشبه والمثل .