تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧

325 - كتاب العباس بن الحسن إلى جرير بن يزيد

وكتب العباس بن الحسن بن عبيد اللّه بن العباس بن علي بن أبي طالب عليه السلام ، إلى جرير بن يزيد يعزّيه في العباس ابنه : « أما بعد ، فإنك لا تخبر عن اللّه عزّ وجل فيما وعد على المصائب ، ولا توعظ فيما حدث من بغتات الدهور ، وملمّات الأمور ، بأشفى من علمك به وأوعظه ، بما لم تزل له معاينا من ملمّات قدره وفضله ، وفي اللّه تبارك وتعالى لمن اعتصم به كاف ، وفي ثوابه لمن رغب عن الأحبّة معزّ ، وليس من أحداث الدهر حادث يمنى به امرؤ في حميم ، وإن لطف من القلوب موقعه ، وجلّ في المصاب رزؤه ، إلّا والمرء مرتهن في نفسه بأعظم منه ، إمّا بفناء يكون به حظّا لحميمه في المعاد إن قصّر به في نفسه أمل ، وإما بقاء يكون به عرضا لمختلف الأيام والليالي ، حتى يموت منه ما لا ينتفع بعده بالبقاء إن عمّر ، ثم يكون الموت من ورائه لا محالة ، فأين المذهب لمن عرف هذا عن ثواب اللّه الذي منه الخلف والعوض ، في الدار التي لا تفنى ولا يفنى ما فيها ؟ وكفى نظرا من اللّه لك ، وإنعاما عليك ، أن جعل ابنك لك ولدا ، فشرّفك بشرفه على الأبناء ، وزيّنك بخصاله الفائتة للوصف في الفضائل والكمال ، وبلغ به الغاية التي بلغ في السّنّ والثروة ، ثم جعله لك مقدّمة إليه ، وذخيرة عنده ، وأىّ الأمرين تراه يا أبا العباس أملأ ليدك : أبقاؤه لو بقي حتى تكون له ؟ أم فناؤه إذ فنى حتى كان لك ؟ وما كنت تأمل له أكثر مما أعطاه اللّه وأعطاك فيه ؟ فخير ما أخذته تقوى اللّه في حسن العزاء ، واستيجاب العوض والاستعداد فيما هو نازل بك في نفسك ، وإن كان غير ذي أمثال عندنا إن تأخّر في أجلك ، ونسأل اللّه أن ينسئ فيه .