تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
« قلة نظرك لنفسك حرمتك سنىّ « 1 » المنزلة ، وغفلتك عن حظّك حطّتك عن أعلى الدرجة ، وجهلك بموضع النعمة أحلّ بك الغير « 2 » والنّقمة ، وعماك عن سبيل الدّعة أسلكك في طريق المشقّة ، حتى صرت من قوة الأمل ، معتاضا شدّة الوجل ، ومن رجاء الغد ، معقبا يأس الأبد ، وحتى ركبت مطيّة المخافة ، بعد مجلس الأمن والكرامة ، وصرت موضعا للرحمة ، بعد أن تكنّفتك الغبطة « 3 » ، على أنى أرى أمثل أمريك أدعاهما للمكروه إليك ، وأنفع حالتيك أضيقهما متنفّسا عليك بقول القائل :
إذا ما بدأت امرأ جاهلا * ببرّ فقصّر عن حمله ولم تلفه قابلا للجميل * ولا عرف العزّ من ذلّه فسمه الهوان فإن الهوان * دواء لذي الجهل من جهله « 4 »
وقد قرأت كتابك ، بإغراقك وإطنابك ، فوجدت أرجاه عندك ، آنسه لك ، وأرقّه في نفسك ، أقساه لقلبى عليك ، ومن صادفه « 5 » ما أذهبت ، وخامره ما ذكرت خرس عن تشقيق « 6 » الكلام ، وتزويق الكذب والآثام ، ولعمري لولا تعلّقك منى بحرمة المعاينة ، واتّصالك منى بسبب المفاوضة ، وإنحائى بهما لمن نالهما بسط المنفعة ، وقبض الأذى والمعرّة ، مع استدامتى النعمة بالعفو عن ذي الجريمة ، واستدعائى الزيادة بالتجاوز عن ذي الهفوة ، واستقالتى العثرة بإقالة الزّلة ، لنالك من عقوبتي ما يؤذيك ،
هامش
- فيه بعض الشعراء : « كلتا يديك يمين حين تضربه ، فلقبه المأمون ذا اليمينين ، وقيل غير ذلك » وذكر الطبري في تاريخه 10 : 155 أنه سمى بذلك في سنة 195 ، وذلك أنه لما هزم جيش علي بن عيسى ابن ماهان وقتله وكتب إلى الفضل بن سهل بذلك نهض الفضل فسلم على المأمون بأمير المؤمنين ، فأمد المأمون طاهرا بالرجال والقواد وسماه ذا اليمينين وصاحب حبل الدين الخ . ( 1 ) السنى ، الرفيع ، وفي المنظوم والمنثور « سناء المنزلة » . ( 2 ) وفيه « البأس » . ( 3 ) الغبطة : حسن الحال والمسرة . ( 4 ) سامه الأمر : أولاه إياه . ( 5 ) أي لقيه ، وفي الأصل « صافه » وأراه محرفا ، وأذهبه : طلاه بالذهب ، والمعنى ما موهت ، أو ما أذهبت : أي ما ضيعت من النعمة التي كنت فيها . ( 6 ) شقق الكلام : أخرجه أحسن مخرج .
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 404 | أحمد زكي صفوت