تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
وأخرت ، ففرّغ لذلك فكرك وعقلك وبصرك ورؤيتك ، ولا يذهلك « 1 » عنه ذاهل ، ولا يشغلك « 2 » عنه شاغل ، فإنه رأس أمرك ، وملاك شأنك ، وأول ما يوفقك اللّه به لرشدك . وليكن أول ما تلزم به نفسك ، وتنسب إليه فعالك ، المواظبة على ما افترض اللّه عليك من الصلوات الخمس والجماعة عليها بالناس قبلك في مواقيتها على سننها في إسباغ « 3 » الوضوء لها ، وافتتاح ذكر اللّه فيها ، وترتّل « 4 » في قراءتك ، وتمكّن في ركوعك وسجودك وتشهدك ، ولتصدق فيها لربك نيتك ، واحضض عليها جماعة من معك وتحت يدك . وادأب عليها فإنها كما قال اللّه تأمر بالمعروف ، وتنهى عن الفحشاء والمنكر ، ثم أتبع ذلك الأخذ بسنن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمثابرة على خلائقه ، واقتفاء آثار السلف الصالح من بعده ، وإذا ورد عليك أمر فاستعن عليه باستخارة « 5 » اللّه وتقواه ، ولزوم ما أنزل اللّه في كتابه من أمره ونهيه ، وحلاله وحرامه ، وائتمام ما جاءت به الآثار عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ثم قم فيه بما يحق للّه عليك ، ولا تمل عن العدل فيما أحببت أو كرهت ، لقريب من الناس أو بعيد ، وآثر الفقه وأهله ، والدين وحملته ، وكتاب اللّه والعاملين به ، فإن أفضل ما تزيّن به المرء الفقه في دين اللّه والطلب له والحث عليه ، والمعرفة بما يتقرب به إلى اللّه ، فإنه الدليل على الخير كله ، والقائد له ، والآمر به ، والناهى عن المعاصي والموبقات كلها ، وبها مع توفيق اللّه تزداد العباد معرفة باللّه عزّ وجل ، وإجلالا له ، ودركا للدرجات العلا في المعاد ، مع ما في ظهوره للناس من التوقير لأمرك ، والهيبة لسلطانك ، والأنسة بك ، والثقة بعدلك .
هامش
( 1 ) ذهلت عن الشئ ( كفتح ) : غفلت ، وقد يتعدى بنفسه فيقال ذهلته ، والأكثر أن يتعدى بالهمزة فيقال أذهلني فلان عن الشئ . ( 2 ) شغله من باب فتح ، وأشغله لغة جيدة أو قليلة أو رديئة . ( 3 ) أسبغ الوضوء : وفي كل عضو حقه . ( 4 ) تمهل ولا تعجل . ( 5 ) استخار اللّه : طلب منه الخيرة .