حتى أصابتنا سنة كانت عندي قطعة من سنى يوسف ، واشتد علينا كلبها « 1 » ، وغابت قطّتها « 2 » ، وكذبتنا غيومها ، وأخلفتنا بروقها ، وفقدنا صالح الإخوان فيها ، فانتجعتك « 3 » وأنا بانتجاعى إياك شديد الشفقة عليك ، مع علمي بأنك موضع الرائد « 4 » ، وأنك تغطّى عين الحاسد ، واللّه يعلم أنى ما أعدّك إلا في حومة الأهل . واعلم أن الكريم إذا استحيا من إعطاء القليل ، ولم يمكنه الكثير ، لم يعرف جوده ، ولم تظهر همّته ، وأنا أقول في ذلك « 5 » :
ظلّ اليسار على العبّاس ممدود * وقلبه أبدا بالبخل معقود
إن الكريم ليخفى عنك عسرته * حتى تراه غنيا وهو مجهود
وللبخيل على أمواله علل * زرق العيون عليها أوجه سود « 6 »
إذا تكرّمت عن بذل القليل ولم * تقدر على سعة لم يظهر الجود « 7 »
بثّ النوال ولا تمنعك قلّته * فكلّ ما سدّ فقرا فهو محمود
فشاطره ما له حتى أعطاه إحدى نعليه ونصف قيمة خاتمه .
( الأمالي 2 : 137 )
هامش
( 1 ) كلب الزمان كفرح كلما : اشتد وألح على أهله بما يسوءهم .
( 2 ) أي لأنها لا تجد ما تأكله ، كناية عن الجدب والقحط . قال في اللسان « القط : السنور » والأنثى قطة ، وقال كراع : لا يقال قطة ، قال ابن دريد : « لا أحسبها عربية » .
( 3 ) انتجعه : أتاه طالبا معروفه .
( 4 ) الرائد : المرسل في طلب الكلأ .
( 5 ) الأبيات لبشار بن برد يهجو العباس بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس ، وكان بشار قد استمنحه فلم يمنحه - انظر الأغانى 3 : 46 .
( 6 ) جرى في التعبير بزرق العيون على طبيعة العرب . فقد كانوا يكرهون الروم - وقد نشبت الحرب بينهم وبين العرب دهورا كثيرة - والروم كما تعلم زرق العيون ، فكانت الزرقة أبغض شئ من ألوان العيون إلى العرب ، ولذا قالوا في صفة العدو : أزرق العين ، وأضاف إليها بشار أنها في أوجه سود تعظما لنكارتها وبشاعتها . أي أن علل البخيل ومعاذيره في المنع قبيحة منكرة كهذه الهيئة .
( 7 ) وفي رواية الأغانى « إذا تكرهت أن تعطى القليل . . . » .